[رسالة في الطريق إلى ثقافتنا]
الشِّعرُ كلامٌ صادِرٌ عن قلبِ إنسانٍ مُبينٍ عن نفسِه..
[رسالة في الطريق إلى ثقافتنا]
كنتُ مُنغمِسًا في غِمارِ حياةٍ أدبيَّةٍ بدأتُ أُحِسُّ إحساسًا مُبهَمًا مُتصاعِدًا أنَّها حياةٌ فاسدةٌ من كلِّ وجه؛ فلم أجِد لنفسي خَلاصًا إلا أن أرفُضَ مُتَخوِّفًا حَذِرًا، شيئًا فشيئًا أكثرَ المَناهجِ الأدبيَّةِ والسياسيَّةِ والاجتماعيَّةِ والدينيَّةِ التي كانت يومئذٍ تَطغى كالسَّيلِ الجارِف، يَهدِمُ السدود، ويُقَوِّضُ كُلَّ قائمٍ في نفسي وفى فِطرَتي.
ويومئذٍ طَوَيتُ كُلَّ نفسي على عزيمةٍ حذَّاَء ماضية: أن أبدأ، وحيدًا مُنفرِدًا، رحلةً طويلةً جدًّا، وبعيدةً جدًّا، وشاقَّةً جدًّا، ومُثيرةً جدًّا. بدأتُ بإعادةِ قراءةِ الشِّعرِ العربيِّ كُلِّه، أو ما وقعَ تحت يَدي منه يومئذٍ على الأصَح، قراءةً مُتأنِّيَةً طويلةَ الأَناةِ عند كُلِّ لفظٍ ومعنى، كأنِّي أُقَلِّبُهما بعقلي، وأروزُهُما (أي: أزِنُهُما مُختَبِرًا) بقلبي، وأَجُسُّهما جَسًّا ببصري وببصيرتي، وكأنِّي أريدُ أن أَتحَسَّسُهما بيدي، وأستَنشي (أي: أشُمُّ) ما يَفوحُ منهما بأنفي، وأسمعُ دبيبَ الحياةِ الخَفِيِّ فيهما بأُذُني = ثمَّ أتذَوَّقهُما تذوُّقًا بعقلي وقلبي وبَصيرتي وأنامِلي وأنفي وسَمعي ولِساني، كأنِّي أطلُبُ فيهما خبيئًا قد أخفاهُ الشاعرُ الماكرُ بفَنِّه وبَراعَتِه، وأَتدسَّسُ إلى دَفينٍ قد سقطَ من الشاعرِ عَفوًا أو سَهوًا تحت نَظْمِ كلماتِه ومَعانيه، دون قَصدٍ منه أو تَعَمُّدٍ أو إرادة.
#محمود_محمد_شاكر #مجتمع
45 مشاهدة