مرافئ العروض وبحور القريض
يَا غَائِصاً فِي بَحْرِ نُطْقٍ يَزْخَرُ ... إنَّ البَيَانَ مَواهِبٌ لا تُنْكَرُ
قَلِّبْ كِتَابَ المَجْدِ تَلْقَ حُرُوفَهُ ... نُوراً بآفَاقِ الضَّمِيْرِ يُسَطَّرُ
فَبلاغَةُ الكَلِمِ البَديعِ سَجِيَّةٌ ... تَبنِي القُصورَ وبالبَصيرةِ تَظْفَرُ
واعْلَمْ بِأنَّ لِلشِّعرِ أَوْزاناً سَمَتْ ... مِيْزانُ حَقٍّ بالجمَالِ يُقَدَّرُ
خَمْسٌ وعَشْرٌ طابَتْ بحورُ قريضِنا ... لِخليلِ عِلْمٍ بالبَراعةِ يُذْكَرُ
مِنهُنَّ بَحْرٌ لِلْطَّوِيلِ مَهابَةٌ ... كَالجَبَلِ الأَشَمِّ المَنيعِ يُوقَّرُ
و"البَسِيطُ" بَسَطَ الجَمالَ لآلئاً ... في كُلِّ شَطرٍ كالعُقودِ تُجَوْهَرُ
و"الوافِرُ" الرَّقراقُ عذْبٌ سَيلُهُ ... يَروي القُلوبَ وبالبَشاشةِ يَبْذُرُ
أما "الكَامِلُ" فَهو تَمَّ بَهَاؤُهُ ... نَغَمٌ على أَوْتارِ فِكْرٍ يُبْهِرُ
"رَجزٌ" يَخُبُّ بِنا كأنَّ خُيولَهُ ... تَهوي بِساحاتِ النِّزالِ وتَزْأَرُ
و"الْخَفِيفُ" خَفِيفٌ فِي مَنَابِتِهِ ... يَسْرِي بِأَوْرِدَةِ الْأَشْوَاقِ يَسْتَعِرُ
وَفِي "الْمَدِيدِ" مَدَادٌ لَا نَفَادَ لَهُ ... عَمِيقُ سَبْكٍ بِوَحْيِ الْفِكْرِ يَعْتَمِرُ
أَمَّا "السَّرِيعُ" فَسَيْلٌ فِي تَدَفُّقِهِ ... كَالشَّهْبِ تَمْرُقُ فِي الْآفَاقِ تَخْتَصِرُ
وَ"الْهَزْجُ" أُنْسٌ لِمَنْ ضَاقَتْ مَذَاهِبُهُ ... لَحْنٌ رَقِيقٌ بِثَغْرِ الْوُرْدِ يَبْتَكِرُ
وَ"مُقْتَضَبْ" جَاءَ بِالْإِيجَازِ مُخْتَصِراً ... كَالْبَرْقِ يَلْمَعُ فِي الظَّلْمَاءِ يَبْتَدِرُ
وَمِثْلُهُ "الْمُجْتَثُّ" وَ"الْمُضَارِعُ" فِي ... رَوْضِ الْقَرِيضِ مَقَامَاتٌ لَهَا أُثُرُ
إنَّ القصيدَ مَشاربٌ ومَقاصِدٌ ... والحِكمةُ الغَرَّاءُ نُورٌ يُؤْثَرُ
لا تَنْظِمِ القَوْلَ الهَزيلَ تَعَسُّفاً ... فالقَوْلُ إن لمْ يَشفِ داءً يَبْتُرُ
نَقِّ المَعانيَ كالسُّيوفِ مَضاءَةً ... فالحَرْفُ سَهْمٌ بالبَلاغةِ يُذْخَرُ
رُبَّ انطلاقِ قَريحةٍ في لَفظةٍ ... أحْيَتْ شُعُوباً بالهَلاكِ تُبَشَّرُ
واحفظْ لِسانَكَ في القريضِ لِتَرتقي ... إنَّ الكَلامَ على المُرُوءةِ مِخْبَرُ
فالوزْنُ عَدلٌ والقوافي زِينَةٌ ... والمَعنى رُوحٌ في المَدائنِ تَنْشُرُ
فإذا شَدوتَ فكُنْ بَليغاً هادياً ... فالمَجدُ في صِدقِ المَقاصِدِ يُحْصَرُ