الريموت اللعين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نظرت إلى ريموت التلفزيون المنهك، بطارياته مكشوفة، وهيكله ملفوف بشريط لاصق كأنه جريح حرب، تضحكني فكرة أنه يحتوي على مئة زر ، لكننا لا نستخدم سوى زرين! تماماً كخياراتنا في الحياة ؛ قائمة طويلة عريضة من الحريات الوهمية ، وفي النهاية تجد نفسك مجبراً على قناة واحدة.
والمفارقة الأكبر ؟ أن هذا الريموت ، كحال ال......... تماما ، لا يستجيب ولا يعمل إلا إذا **أكل خبطتين محترمات على راسه**
بعد "الخبطة" المعتادة ، أضاءت الشاشة على مشهد احتفالي غريب لافتتاح مشروع لا أفهم ماهيته ، جموع تقف وتصفق بحرارة لشيء لا يراه أحد ...
حدّقتُ في الوجوهِ المبتسمة آليًا ، وهززت رأسي وأنا أقول في سري: **الله يوفّق لنصفّقّ** لا أحد يعرف لماذا يصفق ، المهم ألا تكون اليدان عاطلتين عن العمل في هذا المهرجان اليومي العبثي.
حاولت الهرب من هذا الضجيج ، ضغطت زر الريموت بصعوبة فانتقلت الشاشة إلى تقرير عابر عن قصص منسية ، ناسٌ تاهت أعمارهم في زوايا العتمة ، وشباب ابتلعتهم الأيام دون ذنب واضح. تنهدتُ بصوت مسموع ، وتساءلت كم من الأبواب أُغلقت على حكايات لم تروَ، وتذكرت تلك المقولة المرة : **فعلًا ياما بالظلم مَحَبيس**
شعرتُ بانقباضٍ في صدري.
في هذه البلاد ، نتعلم كيف نبتلع غصاتنا كحبة دواء رخيصة بلا ماء ؛ أردت أن أتجاوز هذا الشعور الثقيل ، أن أخبئ هذا الأسى في أي زاوية بعيدة، ولكن... قلنا من الأفضل لنا أن نضع الحزن في الجرن فوجدنا أنه مغتصبٌ هو الآخر !! حتى مساحاتنا الصغيرة التي نلجأ إليها لنطحن فيها خيباتنا بصمت لم تعد ملكنا ، زاحمونا عليها وصادروها...
عاندني الريموت مجدداً **أوهوووو على هالقصة** وعَلِقَتْ الشاشة على صور الدمار المعتادة التي صارت تمر في نشرات الأخبار كشريط حالة الطقس. مشاهد أوجاع كبرى باتت تُستهلك بين رشفة الشاي وقضمة البسكويت. حاولت أن أستفز بقايا التفاؤل في داخلي بأن غداً قد يكون أفضل ، لكنني رميت الجهاز المتهالك من يدي ببرود ، وقلت لنفسي وأنا أراقب هذا الخراب الواسع : **سيدي يلااا اذا فلسطين راحت... بقا وقّفت عشوية هالأمل؟!** حين تنزف القضايا الكبرى أمام عينيك كل يوم ، يبدو البكاء على أحلامك الشخصية المؤجلة ترفاً سخيفاً.
في لحظات اليأس هذه ، تلوح دائماً فكرة الهروب . حقيبة واحدة ومقعد في طائرة ، أو قارب يرميك بعيداً عن هذا العبث. لكن ، ما إن تعقد النية ، حتى تقفز إلى رأسك تلك الجمل المحفوظة ، وتسمع صدى المواعظ التي ورثناها كتعويذة تعرقل أي خطوة : بحص الوطن ولا ريش الغربة. أبتسمُ بسخرية وأنا أنظر من النافذة إلى الرصيف المتشقق ، وأتساءل : أي بحص هذا الذي يجب أن نمضغه كل يوم لنثبت انتماءنا ؟ وهل بقي فينا أسنان لتحمله ؟
أغلقت التلفاز تماماً
عدت للجلوس في صمت غرفتي . أدركت أن هذا التعود هو أسوأ ما في الأمر ؛ أن نعتاد تعطل الأشياء ، وانسداد كل شيء ، وتحول المآسي إلى مجرد خلفية صوتية ليومياتنا. وفي نهاية المطاف ، ليس الفشل أو التعثر هو الكارثة، بل شيء آخر تماماً.. يجب أن نخاف من النسيان. لأننا إن نسينا كيف نحزن ، وكيف نضحك بسخرية على هذا "الريموت" العاطل ، نكون قد تحولنا نحن أيضاً إلى مجرد أزرار ميتة في جهاز لا يعمل.
نفضتُ عني هذه الأفكار كلها ، وتوجهتُ إلى السرير أجرجر أثقالي كمن يجر حقيبة سفر بلا عجلات. ظننتُ أن النوم سيكون المهرب الأخير، "الزر" الوحيد الذي أملك حق الضغط عليه لإغلاق هذه الشاشة المزعجة في رأسي. رميتُ جسدي المنهك ، ووضعتُ رأسي على الوسادة بانتظار إعلان الهدنة. لكن ، وكما هو متوقع ، يبدو أن عقلي يعمل بنفس آلية ذلك "الريموت" اللعين ؛ فبمجرد أن أغمضتُ عيني ، انفتحت كل القنوات المنسية في رأسي دفعة واحدة وبأعلى صوت! حاولتُ عبثاً إيقاف هذا البث العشوائي من الحوارات المتخيلة ، والمخاوف ، والقرارات المؤجلة. تقّلبتُ يمنة ويسرة ، وحاولتُ عدّ الخراف لأغفو ، فاكتشفتُ أن حتى خرافنا متعبة ولا تقوى على القفز فوق سياج النوم. ابتسمتُ في العتمة وأنا أراقب هذا الضجيج الداخلي ، وتساءلت: هل ينفع أن أُعطي رأسي ""خبطتين محترمات"" لعله يفصل عن الخدمة وأنام؟
..
#غيث_جسري #🖊🖊 #ثقافة #مجتمع
6 مشاهدة