من يوسُـفيكَ تقطَّعت أوصالُنا
رَحَلَ الحَبيبُ عَن المُحِبِّ بِحُبِّ
وَرَحيلُ مَن نَهوَى بِماذَا يُنبِي؟
يَا مَن رَحَلتَ إِلامَ تَقصِدُ ؟ وَالهوى
قُفرٌ بِدونِكَ وَالدِّيارُ بِكَربِ
هَل أمَّرتكَ الرِّيحُ فَوقَ سَفينَتِي؟
أَم أنتَ مَن أمَّرتَها؟ قُلْ: هُبِّي
رِيحُ الفُؤادِ تَلوذُ فِيكَ فِرَارَها
فَإِذا سُئِلتَ عَن اتِّجاهٍ قُلْ: بِي
وَاذكُرْ هَوايَ إِذَا سُئِلتَ عَنِ الهَوَى
أَو دَعهُ يَذكُرُ مَا بِهِ مِن حُبِّي
وَاضرِبْ يَديكَ عَلَى عُيونِكَ إِنَّها
عَرَّافةٌ تُفشِي بِمَا فِي القَلبِ
مَا عَادَ يُجدِي النُّصحُ فَاتَ أَوانُهُ
فَالنَّارُ تَأكُلُ مَا نَضَا مِن عُشبِ
وَالماءُ يَجرِي فِي الأزِقَّةِ بَعدَما
تَجرِي الأزقَّةُ فِي غِمارِ الصَّبِّ
فَلِمَ التَّصدِّي عَن هَوايَ؟ كَأنَّنِي
مِن آلِ "بُعدٍ" أَو قَبيلَةِ "غَيبِ"
غَصباً أَجرُّكَ لِلهَوى لَكنَّهُ
مَن ذَا يَجُرُّ حَبيبَهُ بِالغَصبِ؟
أَنَا لَستُ مَريَمَ، لَيسَ مِن ذُرِّيَّتِي
عِيسَى، وَلكنِّي احتِمالُ الصَّلبِ
أَنَا لَستُ لِإبراهِيمَ بِنتَ خَليلَةٍ
لَمْ تَنفَجِرْ تَحتِي مِياهُ الشُّربِ
فَقَدِ اشتَعلتُ كَنبتَةٍ مَرَّتْ عَليْها
أَلفُ شَمسٍ أَلفُ دَهرٍ صَعبِ
وَاسْتهلَكتْنِي الذِّكرَياتُ وَجزَّنِي
صَوتُ الحنين وَقدَّنِي مِن ثَوبِي
أَنَسيتَ يَوماً كَيفَ كُنَّا نَقبِضُ
الأيَّامَ عُشباً نَاشِباً فِي التُّربِ؟
وَأضُمُّ فِيكَ الماءَ حِين تَزُورُنَا
حَبَّاتُ ثَلجٍ ضَائِعاتُ الدَّربِ
فِي جَنبِ رُوحِي كُنتَ تَقعُدُ مُغرَماً
مَاذَا أَقولُ لِجَنبِها وَلِجنبِي؟
وَبِرَغمِ أَنَّكَ قُلتَ عَنِّي كَعبةٌ
مَا طَافَ بَعدَكَ فِي الفُؤادِمُلبِّي
مَا بَالُكَ الآنَ استَطعتَ لِغُربَتِي
فَنَسِيتَنِي وَأَمِنتَ مَكرَ الرَّبِّ؟
وَذَكرتَنِي فَعَلِمتُ أنَّكَ مُكْرَبٌ
فَذَكرتَ مِن ضُرٍّ أَتاكَ وَكَربِ
فَوَّضْتَ أَمرِي لِلنَّوائِبِ كُلِّها
وَلِغير ضَحْكٍ فِي الهواءِ الرَّطبِ
وَجَعلتَنِي أُفضِي إِليكَ سَرِيرَتِي
فَكذبتَ فِيما قَد أَسرَّكَ قَلبِي
وَكتَمتَ حَتَّى لَمْ يَفِضْ لِتَقولَهُ
فَأَثرتَهُ بِالشَّتمِ أَو بِالسَّبِّ
مِثلُ السُّيوفِ خَفيَّةٌ فِي غِمدِهَا
كَالسِّرِّ حتَّى يَنجَلِي بِالضَّربِ
مِن يُوسُفَيكَ تَقطَّعتْ أَوصَالُنَا
وَسَعتْ زُلَيخَةُ فِي غِمارِ الحربِ
لَا تَعتَذِرْ بَعدَ اعتِلالكَ، لَا تَسلْ
عَن شَاهِدٍ وَمُربرٍ للذَّنبِ
مَا زَالَ يَعلَقُ فِي قَميصِكَ مِن دَمِي
وَدَمِي عَليكَ بَراءَةٌ لِلذِّئبِ
وَطَنٌ أَنَا مِن آلِ غَير مُحمدٍ
وَبِدونِ مُحتلٍّ وَثورَةِ شَعبِ
هَزُلتْ مَناكِبُهُ وَخابَ بِظنِّهِ
قَسمُ ابنِ عِشقٍ أَو شَهادَةُ صَبِّ
لَكنَّهُ لِلشَّوقِ أَمسَكَ وَردَةً
وَقَفتْ رَوَائِحُها بِكلِّ مَهبِّ
هَلْ وَصفةُ الأعشَابِ تَنفَعُ فِي النَّوى
وَالشَّوقُ لَا يُشفَى بِبعضِ الطِّبِّ؟
عُد أيُّها المُلقَى عَلى شَفَتِي يَدًا
مِن صَرخَةِ اللُّقيَا بِصدرٍ رَحْبِ
عَلَّ الَّذِي يَمضِي يَعودُ وَنَلتَقِي
كَيفَ التَقَينَا فِي طَريقِ الحبِّ
بَشِّرْ فُؤادِي بِالقَمِيصِ فَإنَّهُ
يَدرِي بِأنَّكَ لَمْ تَقَعْ فِي الجُبِّ