حين صرت جهبذا بالمقلوب
سنوات طويلة في حفظ المخطوطات وأنا أدوّن في هوامش الفهارس كلمة «جهبذ» كلما مرّ بي اسم عالم ضليع في الفلك أو الفقه، وكنت أظنها -مثل أغلب من عملوا في الأوراق العتيقة- مدحاً صرفاً للذكاء الخارق والعبقرية التي لا يشق لها غبار.
منذ أشهر وأنا أؤجل تدقيق مسوّدة قديمة عن أسواق الصاغة وسكّ النقد، واليوم أغلقت الملف أخيراً بعدما تبيّن لي أنني، ومَن سبقوني، فهمنا أصل الحكاية بالمقلوب. الرجل ما كان فيلسوفاً ولا شاعراً، بل كان موظفاً جالساً في زاوية صاخبة من سوق بغداد، وظيفته الوحيدة أن يمسك الدينار والدرهم، يقلبهما بين أصابعه، ثم يرمي الرديء ويكشف المغشوش أمام الناس.
الظاهر إني كبرت حتى صرت أضحك على نفسي؛ تحوّل ناقد الدنانير إلى عبقري زمانه بمجرد أن استعار اللفظَ أهلُ الحديث ليميزوا به من ينخل الروايات نخلاً. هكذا صرنا نوزّع الألقاب، ونحن نظن الصرافة فصاحة وفلسفة.
#لغة #مخطوطات
1 مشاهدة