ناي المسافة
أَرَى لَيلَ الجَفَاءِ يَسُلُّ سَيفًا
وَيُهدِي لِلجِرَاحِ اليَومَ نَزفًا
تَوَارَى النَّاسُ عَن عَينِي وَلَمَّا
تَوَارَوا رُمتُ لِلأَوجَاعِ كَهفًا
وَحِيدٌ هَاهُنَا فِي عَتمِ لَيلِي
أُقَلِّبُ مُهجَتِي صَرفًا فَصَرفًا
أُسَائِلُهَا: لِمَاذَا الحُزنُ بَاقٍ
يُمَزِّقُ مَا تَبَقَّى فِيكِ عَسفًا؟
وَهَل ذَنبِي بِأَنِّي قَد وَفَيتُ
وَأَنِّي لَم أَخُن فِي الحُبِّ إِلفًا؟
ظَنَنتُ الحُبَّ مَرحَمَةً وَأَمنًا
فَلَم أُبصِر بِهَذَا الدَّربِ لُطفًا
زَرَعتُ وِدَادَهُم فِي حَقلِ رُوحِي
وَلَم أَحصُد سِوَى الأَشوَاكِ قَطفًا
أُفَتِّشُ فِي الدَّفَاتِرِ عَن حُرُوفٍ
تَرُدُّ لِبَارِدِ الأَضلَاعِ صَيفًا
وَلَكِنِّي رَأَيتُ السَّطرَ يَبكِي
وَيَنزِفُ مِن جِرَاحِ البُعدِ حَرفًا
تَهُبُّ رِيَاحُ ذِكرَاهُم عَلَينَا
فَتُورِثُ فِي كِيَانِ الصَّبِّ رَجفًا
أَيَا لَيلَ المَوَاجِعِ خُذ دُمُوعِي
فَإِنِّي قَد سَئِمتُ اليَومَ ذَرفًا
أُجَنِّدُ مِن دُمُوعِ العَينِ جَيشًا
لِيَوقِفَ زَحفَ هَذَا الحُزنِ صَفًّا
تَكَاثَرَ فِي سَمَائِي غَيمُ حُزنٍ
يَسُحُّ عَلَى صَحَارَى القَلبِ وَطفًا
وَنَارُ الوَجدِ تَأكُلُ مِن شَبَابِي
تُدَمِّرُ مَركَبَ الآمَالِ نَسفًا
كَأَنَّ البُعدَ يَزرَعُ فِي طَرِيقِي
هَلَاكًا كَي أَذُوقَ اليَومَ حَتفًا
وَقَد شَابَ الفُؤَادُ مِنَ المَآسِي
يُغَطِّينِي رِدَاءَ الهَمِّ لَفًّا
تَمُرُّ أَمَامِيَ الأَيَّامُ ثَكلَى
تُبَدِّدُ مِن سِنِيِّ العُمرِ خَطفًا
يَلُومُ العَاذِلُونَ سُكُوتَ ثَغرِي
وَلَم أُبصِر بِهَذَا الكَونِ عَطفًا
أُعَانِقُ ذِكرَيَاتٍ غَابَ عَنهَا
أَحِبَّائِي وَصَارَ الوَصلُ زَيفًا
وَمَا لِي فِي الغَرَامِ سِوَى جِرَاحٍ
يُجَدِّدُهَا زَمَانٌ سَاءَ عُرفًا
خُذُونِي مِن مَتَاهَاتِ اللَّيَالِي
فَقَد أَسرَفتُ فِي الآهَاتِ عَزفًا
أُكَابِدُ لَوعَتِي وَأَصُونُ دَمعِي
وَأَرفُضُ أَن يَرَى الحُسَّادُ ضَعفًا
وَأَكتُمُ شَهقَةً فِي الجَوفِ تَكوِي
إِذَا أَبصَرتُ بَعدَ البَينِ طَيفًا
سَأَبقَى رَغمَ هَذَا الجُرحِ صُلبًا
وَإِن جَارَ الزَّمَانُ عَلَيَّ حَيفًا
فَمَا عَرَفَ الهَوَى قَلبًا كَقَلبِي
يُدَارِي رَجفَةً بِالشَّوقِ خَوفًا
وَيَكتُبُ مِن دِمَاءِ الرُّوحِ شِعرًا
لِيَبقَى فِي سِجِلِّ الحُبِّ وَصفًا
أَنَا ذَاكَ المُتَيَّمُ فِي قَصِيدِي
نَسَجتُ مَشَاعِرِي لِلنَّاسِ كَشفًا
إِذَا مَاتَ الهَوَى فِي كُلِّ قَلبٍ
سَيَحيَا فِي حَنَايَا الرُّوحِ حِلفًا
فَيَا قَلَمِي كَتَبتَ الجُرحَ نَارًا
وَزَلزَلتَ القُلُوبَ الصُّمَّ عَصفًا
فَلَا عَاشَ الهَوَى إِن كَانَ ذُلًّا
وَلَا عِشنَا إِذَا لَم نَأبَ خَسفًا
حافِظْ الشَّرْعَبِي