نحنُ الذينَ سقطنَا من يدِ الأبدِ
لا أرضَ تحملُنا، لا سقفَ للنّكَدِ
كنّا نُحلّقُ، لكنَّ الفضاءَ هوى
بنا إلى قاعِ هذا العالَمِ الصّلدِ
ماذا تبقّى؟ رمادُ الوقتِ يخنقُنا
وكلّما اتّسعَت رؤيا.. عَمي بلدي
العمرُ يمضي إلى لاشيءَ في صَلَفٍ
والموتُ يكبرُ مثل النارِ في العَمَدِ
ما أسخفَ الوقتَ! ساعاتٌ مُسمَّرةٌ
في حائطِ التيهِ، مقبوضٌ بلا أمَدِ
والشمسُ محضُ نُحاسٍ زائفٍ سقطَت
في قاعِ جيبِ الزمانِ المُعدمِ النَّكِدِ
صلبتُ نفسي على ظلّي لأشنقَهُ
فأفلتَ الظلُّ، وانشقّت رؤى خَلَدي
حتى المرايا تبرّت من ملامحنَا
وأنكرَ الماءُ وجهَ الطينِ في رَمَدِ
حتى الخيالاتُ صارت وهمَ مِقصلةٍ
ووجهُ هذا المدى يعرى من السَّنَدِ
أرى الوجوهَ دُمىً محشوّةً عدماً
وكلُّ حيٍّ بلا روحٍ.. بلا رَشَدِ
يُكذّبُ المرءُ عينيهِ ليقنعَها
أنّ السّرابَ حقيقيٌّ بلا فَنَدِ
قصائدي جثثٌ في النزفِ عائمةٌ
وأحرفي كفنٌ يلتفُّ كالمَسَدِ
تعزُّ تأكلُ ماضيها بلا ندمٍ
والحاضرُ المرُّ سكّينٌ على الولَدِ
تنفّست وجعاً حتى بدَت رئةً
مثقوبةً تنفثُ الأحلامَ كالبَرَدِ
نمشي على لغةٍ خرساءَ يبترُها
خوفُ السقوطِ كأوراقٍ بلا عَدَدِ
في داخلي أمّةٌ تهوي، وجمجمتي
مدينةٌ للصّدى المخنوقِ في الزَّبَدِ
أنا انشطارُ اليقينِ الهشِّ في زمنٍ
يرمي بوجهي إلى التمزيقِ والبَدَدِ
أجترُّ نفسي كأنّي لستُ أعرفُني
وأحملُ النبضَ قبراً ثائرَ الوَتَدِ
لا أصدقاءَ، جميعُ الناسِ قد رحلُوا
إلى سَرابٍ بلا روحٍ ولا مَدَدِ
نحنُ البقايا التي في الموتِ قد نُسِيت
نحيا كأنّ الوجودَ الرّحبَ طيفُ غَدِ
قد كنتُ أخشى غياباً ثمّ أُدركُني:
أنّ الحضورَ هو المنفى بلا رَصَدِ
يا خالقَ الطينِ، هل في الطينِ حكمتُه؟
أم أننا محضُ صلصالٍ من العُقَدِ؟
تمرّدَ الطينُ في كفّي مُشكّلهِ
ومزّقَ القالَبَ المحتومَ بالكَبَدِ
يا ضيعةَ العمرِ إنْ عشنا بلا هدفٍ
ويا هوانَ خُطانا دونَ مُعتَمَدِ
والساعةُ الآنَ: عُدمٌ طاحنٌ، وأنا
صِفرٌ يدورُ بلا معنىً على الصّفَدِ
الموتُ ليس انتزاعَ الروحِ من جسدٍ
بل أن تعيشَ بلا روحٍ.. ولا جَسَدِ!
حافظ الشرعبي
@المتابعون#حافظ_الشرعبي#مجتمع#شعر
وجهُ الحقيقةِ في المرآةِ مغترِبُ
والظلُّ يبحثُ عن أصلٍ فيضطرِبُ
نمشي على قشرةِ الأيامِ في حُلُمٍ
ونحن في قبضةِ الأوهامِ نحتطِبُ
كأنَّنا لغةٌ عمياءُ تنطقُها
شفاهُ ريحٍ، لها في صمتِنا صَخَبُ
الوعيُ كأسٌ من الألغازِ نشربُها
فيسكرُ العقلُ، والأفكارُ تلتهِبُ
أقنعةُ الطينِ تذوي فوقَ أوجُهِنا
وتحتها ماردٌ في الصمتِ ينتحِبُ
نفصِّلُ الوقتَ أكفاناً لنلبسَها
وهذه الأرضُ خيطٌ، نسجُهُ عَجَبُ
غزلتُ من شَعَرِ الأوهامِ أشرعةً
لمركبٍ في رمالِ التيهِ ينسحِبُ
نطاردُ الضوءَ في أعماقِ عتمتِنا
حتى تيقَّنَ أنَّ المبتغى كَذِبُ
فلا السماواتُ تؤوي صرخةً عَقُمَت
ولا النجومُ إذا ناديتَها سَبَبُ
جماجمُ الأمسِ كاساتٌ نديرُ بها
خمرَ البقاءِ، لننسى أنَّنا خَشَبُ
نسيرُ في صُوَرٍ شتَّى، وأصلُ رؤى
هذا الوجودِ سرابٌ ليس يُقترَبُ
أنا المحايدُ، لا خوفٌ يكبِّلُني
ولا رجاءٌ إلى دنياكُمُ نَسَبُ
في داخلي محشرٌ للصمتِ أسمعُهُ
وخلف أوردتي يغلي بيَ الغَضَبُ
عقلي رصيفٌ مهيضٌ ملَّ زائرَهُ
والفكرُ طيرٌ على جدرانِهِ تَعِبُ
أفكِّكُ الشيءَ حتى ينتهي عَدَماً
وأعصرُ العُدمَ حتى يقطرَ الذَّهَبُ
ما قيمةُ العمرِ؟ برقٌ في سحابتِهِ
يوماً سيخبو، ولا تبقى لهُ سُحُبُ
نبني الحضاراتِ من جوعٍ ومن قلقٍ
ليأكلَ الرعبُ ما خطَّتْهُ ذي الكُتُبُ
تحوَّلت أعينُ الآتينَ من سفرٍ
إلى مرايا بها الأشباحُ تنسكِبُ
أنا الغريبُ الذي ضاقت مساحتُهُ
بين الجهاتِ، ولم يُشرَعْ لهُ طَلَبُ
اليأسُ حصني إذا ما الأرضُ زُلزِلَتْ
والأمنياتُ جريحاتٌ بها عَطَبُ
نمتصُّ ثديَ الرَّدى حتى نشبَّ بهِ
كأنَّنا لجحيمِ الغيبِ نُحتَسَبُ
عانقتُ صمتيَ كي أقرأ عوالمَهُ
في الصمتِ صوتٌ خفيٌّ ليس يُحتجَبُ
والناسُ مثلُ خيوطٍ في محرِّكِها
يمضونَ في طُرُقٍ عمياءَ تنشعِبُ
لا دمعةٌ سقطت إلَّا بمشنقةٍ
ولا ابتسامةَ إلَّا خلفها رِيَبُ
رميتُ كلَّ يقيني في محارقِهِ
لأُبصِرَ السِّرَّ، لكن ماتتِ الشُّهُبُ
نحن الخرابُ الذي يمشي على قَدَمٍ
يجمِّلُ الموتَ في أعماقِهِ لَعِبُ
في مسرحِ العُدمِ أسدلنا ستائرَنا
فلا بقاءٌ، ولا قصدٌ، ولا هَرَبُ!
حافظ الشرعبي
@المتابعون#حافظ_الشرعبي#مجتمع#شعر