من أرشيف البدايات.. دون تنقيح.
كانت قطرات المطر تزداد غزارة ، مع كثافة الرياح المصاحبة للسحب. فتحت أزرار قميصي ، أثتيتُ معطفي ومسحت به وجهي ولم يزل العرق يتصبب منه كما تتساقط زخات المطر من السحابة ، وتوجهت نحو النافذة المطلة على الجبل والوادي إذ إننا على أعلى مرتفع من قمة الجبل. اقتربت من النافذة أكثر حتى بات رأسي ووجهي يعانقان حبات المطر..
كل النوافذ أغلقت ما عدا نافذتي لم أسمح بأن تُحجب عني قبلات السماء.. تهتُ مندهشا وأنا أتأمل ما أرى من تفاصيل : تراقص وريقات الشجر ، تمايل أغصان القات ، خضرة الوادي ، وجه الجبل الحسن ، السحب الماطرة ، تدفق مياه الأمطار و جريانها على أسطح المنازل أسفلنا، مشهد للصبايا الحسان يغتسلن ويلعبن تحت ينابيع الأسطح ، الهواء الطلق العابر من النافذة..
لحظات عانقتُ من خلالها روحي الطفولية التي شاخت مبكرا وصدأت كثيرا إثر تقلبات الدهر، وأحداث الأزمنة ونبض القلب كما لو أنه لأول مرة.
حمدتُ الله تسع وتسعون مرة وأنا أشاهد السحابة وهي تمطر عن قرب ، تتجلى من خلف الجبل تهمي على المنازل كما لو أنها تعانقها ، تغسل الجبل من قمته ثم تهطل على الوادي على شكل قطرات.
ساعات العصر مضت سريعا وبدأ الليل يلوح في الأفق ليكسو بحلته الأمكنة ، وبات المشهد خلف شرفة النافذة كما لو أنه معرض مجوهرات ، و ظهرت المنازل والبيوت كلآلئ منثورة ..
كنت أتراقص مرحاً مع كل ثانية من ثواني تلك اللحظات الفريدة ، إلا أن ذلك لم يطل كثيرا وسرعان ما فسد كل شيء كعادتها الحياة متفننة في اغتيال كل ما يُحينا ويبقينا على قيد الأمل، ويبعث لنا النشوة ولو للحظات.. ماتبقى من كمية الماء التي شربتها أثناء الصعود ضاق الجسم بها ذرعا ، استويتُ على متكأي وبكل ثقة طلبت طريق الحمام، ضحك الصغير بجانبي وبدا له طلبي هذا غريباً وقال بلهجته : ماشي عندنا حمام .
#مفضل_إسماعيل
#مجتمع #مجتمع_عام #قصة_قصيرة

1 مشاركة28 مشاهدة