سؤال لطالما راودني وأنا أقرأ القرآن
منذ فترة يراودني تساؤل ما، عندما نقرأ في سور كثيرة من القرآن نجد آيات متشابهة جدًا، وأحيانًا تختلف في شيء بسيط، وأحيانًا تتكرر حرفيًا. وكذلك قصص كثيرة تتكرر، مثل قصة سيدنا موسى عليه السلام، التي نجدها في سور مختلفة.
فكان يدور في ذهني سؤال.. لماذا يوجد هذا التكرار والتشابه، رغم أن الله عز وجل كان قادرًا على أن يأتي بآيات مختلفة تمامًا في كل سورة؟
أحببت أن أشارك معكم السؤال لغرضين،
الأول: أنه من الوارد جدًا أن يخطر في بال أي أحد منا كبشر، سؤال عن القرآن أو الخَلق أو أي شيء في دينه. فلا تحاول تجاهل السؤال عندما يأتيك، ظنًا منك أنك تهذي، ولا تخف من أن تسأل أو تبحث. بالعكس، ابحث عن الإجابة، لأنك كلما بحثت وفهمت اكتسبت معرفةً أكثر، ويكون لديك علمٌ ويقينٌ أرسخ.
والسبب الثاني: أن السؤال نفسه قد يكون ورد في ذهن شخص آخر.
وعندما بحثت عن إجابة السؤال، وجدت أن من الحِكم في ذلك أن القرآن نزل بلسانٍ عربي مبين، ومن جمال اللغة العربية أن المعنى الواحد يمكن التعبير عنه بأكثر من طريقة وبألفاظ مختلفة حسب السياق.
تكرار قصة سيدنا موسى عليه السلام مثلًا في سور مختلفة لا يحدث بالحرف الواحد، بل يختلف باختصارها أو الاستفاضة فيها، وبحسب الغرض من السورة.
فمثلًا، في سورة طه يظهر جانب من جوانب مناجاته لربه ورسالته ودعوته، وفي سورة الشعراء يظهر بشكل أوضح جانب المواجهة مع فرعون والسحرة وإظهار المعجزة، وفي سورة القصص نرى تفاصيل من بداية نشأته وطفولته وعودته إلى أمه.
فكأن القصة الواحدة تُعرض من زوايا مختلفة، وكل مرة تخدم المعنى العام للسورة التي وردت فيها.
وأحيانًا يكون التكرار نفسه مقصودًا للتأكيد والتذكير، مثل قوله تعالى:
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾
هذه الآية تكررت في سورة الرحمن مراتٍ كثيرة، لكن في كل مرة تأتي بعد ذكر نعمة أو مشهد مختلف.
فالتكرار هنا يجعلك تتوقف عند المعنى مرة بعد مرة، أيّ نعمة من نعم الله علينا يمكن أن ننكرها؟
وثانيًا، أن القرآن الكريم نزل لكي يكون كتاب هداية ومنهج حياة، يقول الله عز وجل لرسوله: (وكلّاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك). فتكرار القصص والعِبر يساعد على تثبيت المعاني في القلب والذهن، فعندما تقرأ آية أو قصة وتتكرر أمامك بصيغ وسياقات مختلفة، فهذا يعمّق أثرها في النفس ويجعل العِبرة والمعنى يثبت أكثر بكثير من لو ذُكرت مرة واحدة ولم تتكرر.
فتذكّروا دائمًا.. نحن لسنا مطالبين بكتم تساؤلاتنا، بل العكس تمامًا.. القرآن كتاب تدبر وفهم، وكل سؤال يدفعك إلى البحث والفهم هو باب جديد يفتح لك آفاقًا من اليقين والثبات.
وللتذكرة، اجعل دائمًا سؤالك نابعًا من يقينك بالله وثقتك به، ورغبتك في أن تفهم وتتعلم، وليس من شك أو اعتراض. 🤍 #مجتمع
10