سفر الرَّماد و النُّور
في البدء
كان الإنسان وحيداً
رغم كثرة الوجوه حوله
يحمل قلبه كقنديلٍ مرتجف
و يمشي بين الأيام
كمن يبحث عن بابٍ أضاع خلفه حلمه.
كانت الأرض ممتلئة بالكلام
لكن الأرواح تموت من قلّة الإصغاء
رأيت مدينة
يضحك أهلها كثيراً
غير أنّ الحزن
كان يخرج ليلاً من نوافذهم
كالدخان
وسمعت البحر يقول:
ليس الغرق أن تبتلعك المياه
بل أن تعيش عمرك كاملاً
دون أن يجد قلبك
من يفهمه
سيأتي زمان
يصير فيه الضجيج ديناً
و يُتَّهم الصامتون بالنقاء
و يهرب الناس من أرواحهم
إلى الشاشات و الطرقات
و يظنون أن امتلاء الوقت
نجاة
لكنّ الليل
سيعيد إليهم حقيقتهم
كلّما انطفأت الأنوار
حينها
سيعرفون أن أكثر القلوب تعباً
هي تلك
التي صفّقت طويلاً
لأشياء لم تؤمن بها
أنا العابر بين خرابين
لا بيتَ يحملني
و لا جهة تشبهني
كلّما أوشكتُ أن أصل
اكتشفتُ أنّ الطرق
لم تكن تؤدّي إليّ
و قد جرّبتُ أن أكون مثلهم
خفيـفًا
بلا أسئلة
لكنّ قلبي
كان يعود كل مرة
مثقلاً بالمعنى
لهذا اخترت العزلة
لا كراهيةً لأحد
بل حفاظاً
على الجزء الذي لم يمت داخلي
و قال البحر:
يا ابن التراب
لا تخجل من هشاشتك
فالأمواج العظيمة
تبدأ رجفةً صغيرة
و كلّ الذين أخفوا دموعهم طويلاً
صاروا مالحين مثلي
فلا تسأل لماذا خُلقت الأرواح عميقة
لأنّ السطح
لا يتّسع للحقيقة
مات كثيرون
قبل موتهم الحقيقي
كانوا يبتسمون
و يجلسون بين الناس
لكنّ أرواحهم
كانت بعيدة جداً
و ما قتلهم الحزن وحده
بل ذلك الشعور
بأنّ أحداً
لم ينتبه لارتجافهم الأخير
كن رحيماً
فالقلوب التي تبدو بخير
قد تكون في لحظتها الأخيرة
إذا ضاقت بك الأرض
فلا تؤذِ أحداً لتنجو
و إذا خانك العالم
لا تخن قلبك
و إن انطفأت روحك يوماً
فتذكّر
أنّ الله لا يضع هذا القدر من الحنين
في قلب إنسان
عبثاً
و رأيت في آخر الليل
رجالاً يحملون ناراً في أيديهم
و ثلجاً في قلوبهم
و رأيت آخرين
حفاة
متعبين
لكنّ النور
كان يخرج من عيونهم
فعرفت
أن الأرواح لا تُقاس بما تملك
بل بما تُضيء
و منذ تلك الليلة
و أنا أجمع رمادي
لأصنع منه نوراً
فإن سألوني يوماً:
كيف نجوت؟
سأقول:
لم أنجُ تماماً
لكنّي تعلّمت
كيف أُحوّل جراحي
إلى أبوابٍ للضياء