أحدٌ أحد
أهداني اليوم صديقي الشاعر إبراهيم الباشا ديوانه الشعري. لكن لماذا اليوم وقد التقيته من قبل صدفةً ؟
ربما لا يخفى عليكم معنى اليوم ففيه من ذاكرة الوطن ما يجعل للهدية معنى آخر يتجاوز الكتاب وصاحبه.
تأملت الأمر، فوجدتني أمام مفارقة تستحق التأمل، فتحت الواتساب، ذهبت فورا إلى خانة الكتابة واسم جهة الاتصال "أنت" أي أنه رقمي "أنا" وكتبت إليَّ:
أن يهديني صديقٌ كالباشا إصداره الشعري في يومٍ كهذا
بينما نعيش وجع وطنٍ يئنُ ويثأر لظلهِ، ونحن نشاهد من ظلَّ فيه، فلا يراهم أحد يثأرون من بأس بعضهم بعضا حتى صرنا لا نرى من يُصارع ومن يصرعه لنصرعه بظل خُطانا التي ظلت طريقهم إليه أيضا.
توقفت عن الكتابة إلى نفسي، ثم عدت للتأمل للمرة الثانية..
تخاطبني نفسي والشمس تغرب أمام ما اطلعت عليه عيني شيئا فشيئا: يا أنت تعال لنتجول في الظلام وسنبصر من ضياء نجمنا الباكي، خريطةً يتوعدها القريب والغريب بالقضم برا وبحرا وجواً... لكنك سترى صراعات كثيرة
إذ يتصارع فيه طغاة العالم منذ عقود ونغدقهم بوطنية شبابنا.
أن يكون الأمر كهذا فإن هذا الوجع يحتاج إلى عزلة تامة عن الأوطان، ولا لن ينال منه الطامعون ولن !! ولأننا نرتشف كل يوم غصة واقع يمن ضاقت به الأهوال ذرعا
فنحن بلا شك لن نعيش إلا في وطن لم يعد يشبه الوطن الذي حلم به آباؤنا.
وبعد أن تأملت غير ما كتبت يا أصدقائي قلت:
- يعني أن هناك ثمة تفسيرات ليست بتفسيرات
- لكنها فرص اللقاءات.. ولن تنال قدسية أجدادنا مما نالته أيادينا منا.
وللإمانة تمنيت أن لو تأخر يوم آخر؛ كنت استوعبت وطني أنا
وطنك
وهو ليس له غيره من وطن آخر كالشعب الذي لم
يحاول مثله رفع الصخور عنه ويصرخ بشاعريته
بأسلوب متجدد لم نعهده في أشعار من سبقوه قديما وحديثا وباختصار لا يحق لي الإسهاب فيه لأني أكتب لنفسي: فإنه بفطرته يبدع في التنصيص القرآني(مصطلح لم يفقهه أحد من فقهاء الدين والأدب بعد!) ويفعل ذلك بتلقائية شاعريته، ومن يقرأ جديده سيجد دليل ما قصدته.
وبالمناسبة لم يقصد صديقي الشاعر كل هذه المعاني التي قد تظنونني بالغت فيها، لكني حين اطلعت على بعض قصائده، آلمني بكاؤه وهو ينقش أبيات قصيدته (أحدٌ أحد) وقراءتك أنت ياصديقي الفيسبوكي لعنوانه الورقي (وطني أنا) ستؤلمك أبيات كثيرة، ولن تجدوها في العالم الافتراضي لأنه لم يهتم بتوثيق قصائده إلكترونيا كما يفعل اولئك الذين يبرزون أمامنا دائما هنا وهناك ولا تقرأون لهم كثيرا كما أقرأ الآن قصائد الباشا ابراهيم؛ وليتكم تعيشون مثلي وطنتيه وغزارة مفرداته.. لكنه بهذا التصرف العفوي منحني من حيث لا يدري، فرصة لاستعادة شيء
من وطن.....
وطن وأطنان من الهمّ؛
وطن لا زلت أبحثُ عن جنوبه ويبحث عنه شماله ولا يفكر أحدنا للإحتفاء بأعيادٍ كهذه خاصةً وهذه الذكرى والقادمة وغيرها لم يعد فيها الشعب على رأي واحد ولا شطرين نعانقهما بعلم واحد.!!
فثمة هدايا توقظ فينا ما ظننا أن الأيام قد دفنته، وتعيد إلى الذاكرة أسئلة لا تنتهي.
وإني والله أني أصغرُ من كل هذا يا أصدقاء.
أخبروا صديقي أن كتابه لن يكون له زاوية خاصة في مكتبتي، بل سيظل يرافقني في تيهي وترحالي وكلما عاد السادس والعشرون من أيلول «بزوغ اليمن» سأتذكر معنى آخر في ذاكرتي.
سأذكر أن صديقاً أهداني كتاباً، لم أحتفظ به لطفلتي وأنني رأيت بين صفحاته وطناً تمنيت لو أنه لم يضع منا.
واخيرا وليس إلى آخره: يجب أن تعرفوا ذلك، وهو الشيء الوحيد الذي يميز شاعرنا المبدع "باشا الشعر" كما يلقبه صديقي/صديقه أ.حمدي الكحلوت هو أنه كالبردوني في عزلته، يعيش في كوكب آخر.
هناك حيث لا تشتته الأخبار.
قريباً من أطفاله.
أنفاسه لا تفارقها رائحة دار الحجر...
بعيداً بعيداً عن دور النشر والصحف والمجلات
ورغم ترقب الكثير لتداول نصوصه إلا أنه ابتعد حتى عن الفيسبوك.
لم يقرر أن يعيش طقوس كوكبه الخاص، رغم أن كوكبنا لم يجبره على ذلك كما فعل مع البردوني لكنه كذلك.
فثمة أشياء تعزله
وهذا ما دفعني للتأمل للمرة الأخيرة، وبعد مرور سبع عجاف من تعرفي عليه في هذا الفضاء الأزرق اكتشفت أنه قد شارك في مهرجان البردوني الاول الذي أقامته وزارة الثقافة والسياحه اليمنية بأمانة العاصمة صنعاء وبعد مرور أقل من ساعة من لقائي الأول به إلا أني تأكدت أنه يتميز بعزلته عن معشر الشعراء متأخراً عن المطالعة لشعره ويتميز بغير عزلته ايضاً، بخصوصية تميزه عن غيره حتى في كتابة الشعر الحر والمقفى ببحوره وقد لقبته أنا بـ "الشاعر المعتزل" وسيضطر النقاد وجهابذة الادب العربي والأدب العالمي آجلا غير عاجل إلى أن ينفردوا بشعره لدراسته عن كثب، ربما بعد عقود لن يتأخروا كثيراً كما هو التاريخ حافل وشهدناه مع شعر الشاعر المبصر شاعر العصر عبدالله البردوني رحمه الله.
شكراً صديقي الأديب الأريب الشاعر المعتزل @إبراهيم باشا
شكرا للصدفة التي جمعتني بك في أزقة تتشبث بك وتتشبث بها كما لم تفعل وتفعل مع بردوني العصر.
ولذاكرتي مع هديتك موعداً آخر إن شاء الله.
حفظه الله وإياكم جميعاً واليمن والأوطان والشعوب كلها.
فلسفة📝خاصة 26/9
سهيل عثمان سهيل 2026م