شووق
وأنتَ تكتبُ رسالةً بكل ما أوتيتَ من شوق؛ حتماً ستبكي لموتِ ساعي البريد.
لأنك تكتشف متأخراً أن الرسالة لم تكن للمرسَل إليه، بل كانت لك. كنت تحاول أن تشرح لنفسك لماذا ما زلت تنتظر.
تكتب: كيف حالك؟ وأنت تقصد: "كيف حالي بدونك"؟
تكتب: "أفتقدك" وأنت تقصد: "أنا ضائع".
تكتب: "أتمنى أن تكون بخير" وأنت في الحقيقة تتمنى لو أن أحداً تمنى لك الخير.
تضع في الظرف كل شيء: رائحة القهوة التي شربتها وحدك، أغنية سمعتها فتذكرته، الطريق الذي مشيته وكنت تتمنى لو كان معك. تضع قلبك مطوياً بعناية، وتخاف أن ينكسر في الطريق.
ثم تذهب إلى صندوق البريد القديم، وتكتشف أن ساعي البريد قد مات منذ زمن. وأن الصناديق لم تعد تُفتح. وأن العالم توقف عن انتظار الرسائل!
مات ساعي البريد، وماتت معه مهنة الانتظار. لم يعد أحد ينتظر... الجميع يرسل رسالة واتساب وينسى. أما أنت، فما زلت تكتب بخط يدك، وما زلت تلصق طابعاً، وما زلت تؤمن أن الشوق يحتاج إلى ختم وتاريخ.
حين يموت ساعي البريد؛ لا تموت الرسالة. بل يموت العنوان، فلا تعود تعرف إلى أين تذهب بكل هذا الشوق.
فتعود بالرسالة إلى بيتك... تضعها تحت وسادتك. وفي كل ليلة تقرأها لنفسك بصوت عالٍ، كأنك شخص آخر يقرأها لك، وتبكي.
ليس لأن من تحب بعيد، بل لأنك لم تعد تعرف كيف يصل الشوق إذا لم يكن هناك من يحمله.
نحن أبناء الرسائل التي لم تصل، نعيش بشوقٍ لا بريد له.
#أمين_السر
#مجتمع
17