《 هَلْوَسَةٌ بِطَعْمِ السُّكَّرْ 》
"مَا الَّذِي يُبْقِينِي مُدْمِناً عَلَى التَّفْكِير بَيْنَمَا العَالَمُ كُلُّهُ لَمْ يَعُدْ يُفَكِّرْ؟"
《 هَلْوَسَةٌ بِطَعْمِ السُّكَّرْ 》
بَدَا الكَلَامُ الَّذِي فِي رَأْسِي وَكَأَنَّهُ يَزْدَادُ بُرُودَة، رَغْمَ أَنَّهُ يَتَنَاثَرُ تَنَاثُرَ الفُوشَارِ مِنْ شِدَّةِ الحَر. إِنَّهَا تَصْفَعُنِي صَفْعاً، فَشَمْسُ الخَرِيفِ تَحُثُّنِي عَلَى السَّيْر، أَفْكَارِي تُرْجُمَانُ مَشَاعِرِي لَا تَزَالُ بَارِدَة، أَمْرٌ غَرِيبٌ... لِمَاذَا تَبْرُدُ قُلُوبُنَا إِلَى حَدِّ المَوْت فَجْأَةً، مِنْ لَفْحَةِ نَارٍ غَيْرِ مُنْتَظَرَة، رَغْمَ أَنَّهَا دُونَ النَّارِ لَنْ تَحْيَا؟ كَيْفَ يَمُوتُ الحُبُّ، وَتَمُوتُ ضَحَكَاتُ الحَبْوِ وَعَزِيمَةُ الدَّمِ فَجْأَة، لِأَنَّ وَهَجاً، فَقَطْ مُجَرَّدَ وَهَجٍ، جَعَلَ أَبْوَابَهَا بِالدُّخَانِ مُسْوَدَّة؟ أَظُنُّ أَنَّ الحَيَاةَ لَيْسَتْ كَمَا كُنْتُ أَحْسَبُهَا... يَا لَهَذَا الضَّعْف!
◇ ◇ ◇
العَرَقُ عَلَى جَبِينِي يَسِيلُ سَيَلَاناً هَادِئاً، يَقْتَرِبُ مِنَ العَيْنَيْنِ كَأَفْعَى أَنْهَكَهَا الجُوعُ. قَطَرَاتٌ تَحْرِقُ، الدَّمْعُ يُسْتَفَزُّ، يَخْتَلِطُ بِالشَّقَاءِ السَّائِل، لِيُشَكِّلَا مَزِيجاً عَجِيباً مِنْ تَعَبِ الرُّوحِ وَرَاحَتِهَا. لَمْ تَتَوَقَّفْ هَمْهَمَاتُ الْأَفْكَارِ هُنَا... كَيْفَ لِسَائِلٍ مَالِحٍ يَخْرُجُ مِنْ أَعْيُنِنَا لَا يَحْرِقُهَا، أَمَّا إِذَا أُعِيدَ إِلَيْهَا يَقْتُلُنَا أَلَماً؟ أَلَيْسَ الدَّمْعُ هُوَ الدَّمْع؟ لَا... لَيْسَ كَذَلِك، أَظُنُّ أَنَّ الفَرَحَ وَالحُزْنَ هُمَا اللَّذَانِ يُسَمِّمَانِ دُمُوعَنَا، مِسْكِينَةٌ هَاتِهِ الدُّمُوعُ البَرِيئَة، مَحْكُومٌ عَلَيْهَا أَنْ تَكُونَ مَحَلَّ تَجَارِبَ طُولَ العُمْر.
◇ ◇ ◇
— "مَرْحَباً، لَقَدْ عُدْتُ."
— "مَرْحَباً، لِمَاذَا تَأَخَّرْت؟"
— "تَعْلَمِينَ حَبِيبَتِي، لَقَدْ أَخْبَرْتُكِ، الدَّوْلَةُ فِي مَرْحَلَةِ انْسِلَاخٍ جَدِيدَة، وَالإِدَارَةُ هِيَ المَسْؤُولَة عَنْ تَغْيِيرِ جِلْدِهَا."
— "دَعْهَا فَقَطْ تَخْتَنِقُ فِي جِلْدِهَا القَذِرْ، لِمَاذَا كُلُّ هَذَا التَّمَدُّدْ؟"
— "حَبِيبَتِي... الدَّوْلَةُ فِي زَمَنِنَا هَذَا مَوْجُودَةٌ لِكَيْ تُذَكِّرَنَا بِأَنَّ الحَضَارَةَ تَعِيشُ وَهْماً عَجِيباً."
— "أَعْرِفُهُ جَيِّداً... تَظُنُّ نَفْسَهَا تَتَطَوَّرُ، بَيْنَمَا هِيَ فِي الحَقِيقَة..."
— "أَجَلْ، بَيْنَمَا هِيَ فِي الحَقِيقَة تُعِيدُ صِيَاغَةَ هَمَجِيَّتِهَا فِي ثَوْبٍ جَدِيدٍ أَكْثَرَ بَرِيقاً وَأَعْظَمَ وَحْشِيَّة... دَعِينَا مِنْ هَذَا الكَلَامِ الفَارِغْ، أَشْعُرُ بِالجُوع."
— "حَمَّامُكَ حَاضِرٌ حَبِيبِي، بِضْعُ دَقَائِقَ وَيَجْهَزُ طَعَامُ العَشَاء..."
◇ ◇ ◇
— "يَا لَهُ مِنْ عَشَاءٍ رُومَانْسِيّ."
— "حَبِيبِي... هِيَ أَرْغِفَةُ خُبْزٍ وَطَبَقٌ مِنَ الفُول!"
— "فِي هَذِهِ أَنْتِ مُخْطِئَةٌ حَبِيبَتِي، يَسْتَحِيلُ عَلَى أَرْغِفَةٍ مِنَ الخُبْزِ وَطَبَقٍ مِنَ الفُول أَنْ يَجْعَلُوا العَشَاءَ رُومَانْسِيًّا، إِلَّا إِذَا..."
— "إِلَّا إِذَا مَاذَا؟!"
— "إِلَّا إِذَا كُنَّا فِي حَالَةِ وَهْمٍ بَيْنَ الْاِثْنَيْن... إِمَّا أَنَّ العَشَاءَ يُوهِمُنَا بِأَنَّهُ رُومَانْسِيّ، أَوْ أَنَّنَا نَتَوَهَّمُ أَنَّ مَا أَكَلْنَاهُ لَيْسَ بِخُبْزٍ وَفُول، وَفِي كِلْتَا الحَالَتَيْن، الوَهْمُ أَقْوَى مِنَ الحَقِيقَة."
— "أَجَلْ، مَعَكَ بِالطُّولِ وَالعَرْض، الحَقِيقَةُ هِيَ أَضْعَفُ مِنَ الوَهْم."
تَحَوَّلَتْ ابْتِسَامَاتُنَا إِلَى ضَحَكَاتٍ مُتَصَاعِدَة، جَعَلَتْ حُبَّنَا يَشْعُرُ أَنَّهُ بِالفِعْلِ أَقْوَى مِنَ الحَقِيقَة، وَرُبَّمَا كَانَ أَقْوَى حَتَّى مِنَ الوَهْم.
◇ ◇ ◇
— "يَا لَلْمِسْكِينَة، كَمْ أُحِبُّكِ."
قَبَّلْتُهَا عَلَى جَبِينِهَا، تَمَنَّيْتُ أَنْ يَتَوَقَّفَ تَعَاقُبُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي بَيْتِنَا بَيْنَ الزَّمَنَيْن، وَأَنْ تَسْتَمِرَّ الأَوْهَامُ فِي الدَّوَرَانِ خَارِجَهْ.
تُرَى كَيْفَ يَكُونُ شَكْلُ الزَّمَانِ الَّذِي فِي بَيْتِنَا؟
✒️ تُوفِيق بِلْغِيث
#أدب #شعر #مجتمع #مجتمع_عام

1 مشاركة3 مشاهدة