مرايا العودة
في الزاوية القصيّة من الذاكرة، حيث ما تزال روائح الخبز الطازج تتسلل من شقوق الحنين، وتنبض الحارات القديمة في تجاويف القلب، هناك صوت خافت يتلو ترانيم العودة...
لم تكن العودة قرارا. كانت نشيدا قديما يتهدّج في دمي كلما سمعتُ عصفورا يغرّد فوق شجرة توت، أو تسرّبت إلى أنفي رائحة الزعتر المبلول بندى الفجر. كان الحنين أقوى من المنطق، وأعمق من الخرائط، وأصدق من صور الماضي المعلّقة في ألبومات من زمن الغياب.
عدتُ، لا لأجد المكان كما كان، بل لأجدني كما كنت. أو كما كنتُ أتوهّم أنني كنت.
فالمكان تغيّر، والوجوه تكسّرت في مرايا الوقت، حتى الأبواب لم تعد تعرفني، رغم أنها كانت تسهو ليلا على وقع خطواتي القديمة.
في الزقاق الذي كان يمتدّ كالحبل السرّي بيني وبين الطفولة، وجدت قطة ترقبني بعينٍ واحدة.
- أهكذا صارت الأماكن؟ نصف نائمة؟ نصف ناسية؟
- أين جلبة الأطفال، وصرخة البائع المتجوّل، وضحكة أمي وهي تناديني من الشرفة بصوت ما يزال يوقظني في المنام؟
يا ربّ، علّمني أن أعود دون أن أنهار.
أن أمشي في الدروب القديمة دون أن أبكي على من رحلوا،أن أقول للبيت القديم: شكرا لأنك احتملتَ صمتي كل تلك السنوات،وأن أهمس للسماء التي فوقي: ها أنا عدت، لا كما خرجت،بل كما علّمتني الغربة أن أكون (...)
بقلم : جواد العوالي / المغرب #مجتمع

39 مشاهدة