فسحة من النقاء
ما زلت أنظر إلى السماء بالطريقة ذاتها التي كنت أنظر بها في طفولتي.
أرفع رأسي، كما كنت أفعل وأنا طفل صغير يقف في فناء الدار، حافي القدمين، مفتوح الفم دهشة. لكن عينيّ لم تعودا هما ذات العينين.
كنت أراها حينها بعينين أكثر دهشة، كان الأزرق أكثر اتساعاً لدرجة أنني كنت أظن أنني لو مددت يدي سألمسه، وكانت الغيوم أكثر قرباً، أكاد أقسم أنني كنت أراها تمشي فوق رؤوسنا، تتبعنا. وكان لكل غيمة حكاية أختلقها ثم أصدقها بمنتهى البراءة، هذه غيمة على شكل حصان، وتلك سفينة مسافرة، وتلك امرأة تحمل طفلها وتنظر إليّ.
أما الآن فقد كبرت، وتبدلت أشياء كثيرة. كبرتُ حتى صارت الغيوم بعيدة، وصار الأزرق بعيداً، وصارت الحكايات التي كنت أختلقها تسمى الآن أوهاماً. تعلمت أن الغيمة ليست حصاناً، بل بخار ماء، وأن السماء ليست سقفاً قريباً، بل فراغ لا ينتهي. كبرتُ حتى نسيت كيف أصدق حكاياتي ببراءة.
ولكن السماء ما زالت كما هي، لا تشيخ، لا تتبدل، لا تحمل ضغينة لأحد. كلما رفعت رأسي إليها أعادتني بهدوء إلى ذلك الطفل الذي كان يرى في صفائها وعداً بأن العالم، رغم كل ما فيه من ضجيج وقسوة، لا يزال يحتفظ بشيء نقي، بشيء لا يمكن للبشر أن يلوثوه.
ولعلني لهذا ما زلت أحب تأملها، لأنها الشيء الوحيد الذي لم يخذلني. في امتدادها أجد فسحة لما ضاق في داخلي، صدري يضيق، وقلبي يضيق، والطرق تضيق، فأرفع رأسي فأجد فسحة لا تحدها جدران. وفي غيومها العابرة أتعلم الدرس الذي عجزت كل الكتب أن تعلمني إياه: أن الحزن مهما طال فهو عابر هو الآخر، يمر، يتلون، ثم يمضي، كما تمضي الغيمة.
وحين يتسلل الضوء من بينها، خيط ذهبي واحد يشق الغيم، أشعر أن السماء لا تضيء الطريق من فوقنا فحسب، بل توقظ في أرواحنا جزءاً من صفائها، تذكرنا أننا كنا يوماً أطفالاً ننظر بدهشة.
لذلك، كلما أرهقتني الحياة، أرفع عيني إليها، لا لأبحث عن إجابة، فالسماء لا تجيب، بل لأتذكر أن في هذا العالم فسحة من النقاء، وأن القلب الذي يتأمل السماء طويلاً، لا بد أن يعود إليها بشيء من صفائها، ولو قليلاً.
#أمين_السر
#مجتمع
13