جنس الحروف
أحيانًا لا أفهم طبيعة النفس البشرية، وأفكر مليًا: يا تُرى، لو كان اسمي مؤنثًا خلف شاشة صغيرة، أتجوّل بين التطبيقات، أرسل الرسائل، وأكتب نصوصًا على ورق تواليت قذر، وأجعل السخرية بابًا للحديث... هل سأجد الدعم؟
نعم، سأجده، وهو كذلك.
سأجد من يقرأ السطر الأول فيضع قلبًا، ثم يقرأ الثاني فيضع قلبًا آخر احتياطًا، ثم يكتب: «كلمات من ذهب»؛ مع أن النص كله لم يكن يحتاج إلى أكثر من سلة مهملات.
وسأجد من يرى في الجملة العادية عمقًا لا يُدرك، وفي الصمت غموضًا، وفي الضحكة أنوثةً ساحرة، وفي كلمة «صباح الخير» رسالةً تحتاج إلى تحليل نفسي من ثلاثة فصول
وربما لو كتبتُ: «اليوم أكلتُ بيضة»، لظهر أحدهم ليقول: «يا لهذا العمق... يبدو أنك تخفي خلف البيضة شيئًا من طفولة الروح وصراع الإنسان مع هشاشة الوجود.»
أما لو كتبت النص ذاته باسم رجل، فستبدأ لجنة التحكيم فورًا: أين الفكرة؟ أين البلاغة؟ أين الصورة؟ وهل لديك ما يثبت أنك عشت ما كتبت؟
وربما يسألني أحدهم في النهاية: «هل أنت شاعر أصلًا؟»
يا للعجب! الكلمات نفسها، والحروف نفسها، والنص نفسه... لكن يبدو أن بعض العقول لا تقرأ الحروف، بل تتحسس صاحبها أولًا، ثم تقرر مقدار إعجابها.
إن كان خلف الشاشة اسمٌ يوافق هواها، صار الخطأ عفوية، والابتذال جرأة، والسطحية بساطة، والفراغ غموضًا يستحق التعمق.
أما إن لم يعجبها صاحب الاسم، فقد تتحول أجمل عبارة إلى «محاولة فاشلة للفت الانتباه».
وهنا أفكر في تجربة أكثر عدلًا: ماذا لو أغلقت صورتي، وأخفيت اسمي، وتركت النص وحده في العراء؟
لا وجه يبتسم له، ولا اسم يغازله، ولا جنس يرفع أسهمه، ولا صورة تُغري أحدًا بأن يمنح الكلام أكثر مما يستحق.
مجرد كلمات...
فإما أن يكون للنص قيمة فعلًا، وإما أن نكتشف أن نصف التصفيق الذي سمعناه طويلًا لم يكن للنص أصلًا.
كان للواجهة.
وهذه، في الحقيقة، أكثر النكات سخرية: أن الإنسان قد يقرأك بعينيه، ثم يحكم عليك بقلبه، ثم يمدحك بشيء لم تقله، فقط لأن الصورة التي في رأسه عنك أعجبته.
ولذلك ربما لم يعد السؤال: «ماذا كتبت؟»
بل: «من أنت خلف الشاشة؟»
فإن أعجبهم صاحبك، جعلوا من حروفك أدبًا... وإن لم يعجبهم، احتاجت الحروف نفسها إلى محامٍ.
#يوميات
#مجتمع
@المتابعون

35 مشاهدة