العـيب الحـرام
نحيا في مجتمع تتقاطع فيه جدران المدنية والدين بمسرح ضخم يدير تفاصيل أيامنا من خلف ستارة تُعرف بسؤال: ماذا سيقولون عنا؟؛ فلا أحد ينكفئ خشيةً من الخالق، إنما خوفاً من الفضيحة وتراه يتقي أعين المتربصين عوضاً عن كبح رغبته لرهبة الإثم.. نمضي العمر نحيك أثواباً من رضا الناس ونعري الروح من سكينة اليقين.
لا نختبر ما نؤمن به حقاً، نلهث خلف ما يُرضي الناظرين بعدما تحولنا إلى ممثلين مهرة نتقن الأدوار أكثر مما نحب، وباتت مهابتنا من العيب أعمق من خشية الله، نصلي بوجدان ترتجف جنباته من نظرات البشر غافلين عن الاستفهام الأبدي: "من أكون في مرآة روحي؟".
العيب أصبح دين جديد بلا كتاب، يتوج العيب في مجتمعاتنا ليغدو أقدس من الصلاة وأرهب من النار؛ فهو لا يرتكن إلى قانون أو نص أو أصل مبدئي، إذ يتماهى كشبح بلا ملامح واضحة.. ورغم ذلك يهيمن على كل حركة من كيف تمشي وكيف تضحك ومتى تتكلم ومع من تجلس وماذا تلبس وماذا تأكل، يفقد العيب حاجته للمنطق ويُهاب كصنم صامت منزه عن النقاش؛ لأن العيب لم يعد قاعدة أخلاقية، إنما هو كابوس موروث. فتجد الفتاة تُحرم فتاة من إطلاق ضحكتها بعفوية لا لذنب ارتكبته، وإنما لأنه محسوب في ميزان العيب، بينما يُطرَّى الشاب حين يصدح بصوته لأنه في العرف رجل.
الحرام متوارٍ خلف عباءة المجاملات حيث يسقط اعتباره متى توارت الشهود، ولهذا نمارس الخداع ونشيد صروح الكذب ونبرر التجاوزات ثم نخلد إلى النوم مرتاحي الضمير ما دام الستر حافظاً لنا من الانكشاف، بينما نرتجف من تقارب صادق مع من نحب أمام الملأ لا لعلة دينية إنما رهبةً من العيب، فإذا كان العيب قناعاً للعامة فالخنجر يُسل في الخفاء متى أمن الطارقون العيون، والحرام في أعرافنا لا يكمن فيما حرمه الشرع وإنما فيما يخدش الواجهة الاجتماعية أمام القطيع، وهكذا يغدو الحرام مبرراً ما دام مستوراً ويُعد في العرف دهاءً وشطارة.
ينهب أحدهم المال العام بلا رادع أخلاقي فيُحاط بعاصفة من التصفيق لوصفه بالذكي والواصل، بينما يُحاسب الفقير إن رفع صوت مطالباً بحقه العادل.
تتمثل أعظم آفة في العيب بافتقاره لمعيار ثابت، فما يُعد عيباً في بيتك قد يرتفع ليصير شرفاً في بيت جارك وما يُحرم على البائس يُبارك للثرى لأن للمال مقياساً موازياً عيب يُشترى بالصمت ويُمحى بالهدايا، وهكذا نعيش في بيئة تعاقب الصادق وتمجد المتخفي البارع في النفاق، ففي واقع يعادي الحقيقة يعتلي الكاذب منصة البطولة.
يُفصل موظف من عمله لمجرد إفصاحه عن الحقيقة الصارخة بينما يُكافأ من يجيد التلون بابتسامة مصطنعة تصون الشكل العام.
لقد ترك الخوف من العيب ندوباً عميقة في أرواحنا، حول النساء إلى واجهات مغلقة والرجال إلى ممثلين محترفين في ازدواجية المشاعر، توارى الحب وأظهرنا الجفاء وحجبنا حرية الروح وتغنينا بالقوالب الجامدة وكتمنا العثرات دون أن نصلح ما فسد في بواطننا، نستر ذواتنا بأزياء ترضي المجتمع والروح بأرواح لا تليق بالإنسان.
تُقصى الفتاة عن الإفصاح برأيها صيانةً لوجه العائلة بينما يتحدث شقيقها كيفما شاء من معزل عن اللباقة.
إليك يا صديقي نصيحة: أعد صياغة مخاوفك، فكن إنساناً تهابه أفعال الظلم لا ألسنة اللوم يخشى الخداع لا العتاب يرهب الحرام لا الهمس خلف ظهره، ولا تورث أبناءك هواجس العيب، لقنهم اتقاء الظلم وجرح المشاعر والإساءة، والتقرب من الخالق لا تقييم الناس؛ لأن الاحتماء بأنظار البشر لن ينجيك من ذاتك ولن يمنح قلبك السكينة.
كثيراً ما نجد أب يوصي ابنته بالحذر الدائم من عيون العامة متناسياً أن يعلمها كيف تصون قلبها من قسوتها على نفسها.
يعلو شأن العيب على الحرام في طرقاتنا بوجوه مرفوعة وبأرواح منكسرة من الداخل، نواري الخطيئة خلف لافتات الشرف، ونقمع مشاعر الحب تحت وطأة السمعة، ونؤدي صلواتنا هرباً من ألسنة الجيران، لا شوقاً وتوقاً إلى الله وحده.
متى نستفيق من كابوس العيب لنسائل أنفسنا بصدق: أخشى الله حقاً، أم أرهب نظرات البشر؟ ومتى ننشئ أجيالنا على الطهارة والنقاء لا على التجمل الزائف؟. الخلاص يا صديقي ليس في رضا السمعة، إنما في صفاء الضمير؛ فلا تقف يوماً في منتصف الطريق تختار رضا الناس وتترك نفسك، واعلم أن الجنة تلفظ أدوار الممثلين، وتأوي وحدها الأرواح الصادقة ولو ناصبها القطيع العداء
_____
#وسام_طيارة_السوري #مقال #فلسفة #كتبي #أدب #ثقافة @المتابعون

1 مشاركة60 مشاهدة