في حضن الزهور
كانت تُعرف بين أهل الحي بتلك النظرة التي تشعل في قلب من يراها إحساسًا مبهمًا، يمزج بين الدهشة والشجن. عيناها سوداوان كليل صامت، تخفيان في أعماقهما سرًّا قديمًا أعمق من سنوات عمرها الغض. لم يكن في حياتها الرتيبة ما يلفت الأنظار، سوى تفاصيل صغيرة كانت تختبئ بوجل في زوايا أيامها البسيطة المحرومة.
في كل صباح، ومع انطلاق نداء الأذان الأول ليزقزق في عتمة الفجر، كانت أمها تغادر الفراش بخطوات مثقلة بالتعب، متجهة نحو بيوت الميسورين التي تنتظر كدحها اليومي. أما الطفلة، فكانت تبقى لتتولى رعاية إخوتها الصغار برفقة أبيها. كان الأب رجلًا ألجأته قسوة الظروف إلى رصيف البطالة، لكنه كان يحمل في صمته المطبق حكمة بليغة لا يدرك كنهها أحد. بعد تناول فطورهم الشحيح، يرتدي جلبابه البالي الذي بهت لونه، ويهم بالخروج. كانت خطواته عند عتبة الباب تتثاقل دائمًا، كأن الحياة تجره رغماً عنه نحو سراب اللاشيء.
كانت تصر على تتبعه وتقتفي أثره رغماً عن رفضه الشديد؛ إذ لم يكن يملك أمام دموعها الرقراقة المنسكبة على وجنتيها الصغيرتين إلا أن يلين قلبه المثقل بالهموم، فيبتسم بهدوء ويسمح لها بمرافقته. كانت وجهتهما الراتبة ساحة عامة منسية تشبه البستان المهجور، مكانٌ يبدو كأن الزمن قد تخلى عنه، حيث يستسلم الأب هناك لنوم عميق هرباً من واقعه، تحت أشعة شمس دافئة. أما هي، فكانت ترى هذا المكان المهجور بعينين مختلفتين، كأنه فردوسها الخاص.
بين الزهور البرية التي تبسط بساطها على الأرض، من الأقحوان الأبيض، والبابونج العبق، والياسمين المتسلق، كانت تنسج من اللحظات العابرة حكايات من خيال. تجمع البتلات الملونة بصبر وشغف لتصنع منها تاجاً زاهياً يليق بأميرات الأساطير، ثم تنطلق حافية القدمين، تلاحق الفراشات الراقصة في الفضاء، وكأنها تطارد أحلاماً صغيرة ملونة تخشى أن تفلت من بين يديها وتتبخر في الهواء.
عندما يستيقظ الأب من غفوته، يرمقها بنظرة تفيض حناناً وهي تستعرض تاجها الزهري بفخر طفولي. وبيديه الخشنتين اللتين حفرت الأيام عليهما أخدود التعب، يأخذ من بين يديها زهرات أخرى ويصنع لها تاجاً ثانياً، يكون أكثر إتقاناً وجمالاً. يجذبها إليه برفق، يعيد تسريح خصلات شعرها المتمردة، يضفره بعناية، ويمزج بين الضفائر عبير البابونج النضر.
نظرت إليه في تلك اللحظة وقالت بصوت خافت: يا أبي، هل سنملك يوماً بيتاً كبيراً مليئاً بالزهور، وأحذية جديدة لا تمزقها الحجارة؟
شعر الأب بغصة في حلقه، لكنه مسح على رأسها بحنو، وأجابها وصوته يتهدج بالحكمة: يا صغيرتي، الملوك لا يملكون حريتكِ هذه، والتاج الذي على رأسكِ الآن لا تشتريه كل أموال الدنيا.. السعادة تسكن في قلبكِ، لا في جيوبنا.
كانت تضحك ملء رداءها البسيط، لأن أباها كان يغزل لها من العدم عالماً ساحراً وعميقاً، عالماً يملك القدرة العجيبة على جعلها تنسى تماماً أنها لا تملك في قدميها سوى نعل مهترئ وممزق.
لم يكن ذلك البستان مجرد رقعة أرض تتفتح فيها الورود؛ كان حضناً دافئاً يحمي طفولتها الغضة، وملاذاً آمناً للهروب من واقع أسري مثقل بمرارة الفقر والهموم. بين أجنحة الفراشات وعطر الزهور، وفي تفاصيل ضفائرها التي تعبق برائحة الأرض والحرية، كانت تجد كينونتها؛ فتاة صغيرة بروح حرة في عالم شاسع، لا تملك من حطامه شيئاً، لكنها تملك الكون كله في سعادتها العابرة.
#حليمة_المجاهد #مجتمع #أدب #ثقافة#شعر#قصص

13