المدينة التي تسكننا
لماذا نشعر بالحنين إلى شارعٍ بعينه، أو بالحزن حين يتغير حيّ اعتدنا عليه؟ ولماذا تألف نفوسنا بعض الأماكن، بينما نظل غرباء في أماكن أخرى، مهما طالت إقامتنا فيها؟
لا تتحدد علاقتنا بالمكان بما يقدمه لنا فحسب، بل بما نعيشه داخله وبما يتيحه لنا أيضًا. فنحن نربط زواياه بأحداث وأشخاص، ونكرر فيه عادات تصبح جزءًا من حياتنا اليومية. لكن المكان لا يحتفظ بذكرياتنا فقط؛ بل يؤثر كذلك في الطريقة التي نعيش بها، من خلال ما يسهّله من أنشطة وما يجعل ممارسته أكثر صعوبة.
لنتأمل شخصًا يريد الذهاب إلى متجر قريب من منزله. قد تكون المسافة قصيرة، لكن الوصول إليه يتطلب عبور طريق مزدحم أو الالتفاف حول شوارع يصعب السير فيها. وفي حيّ آخر، قد يقطع شخص المسافة نفسها سيرًا في طريق مريح، ويمر بحديقة صغيرة ويلقي التحية على أحد جيرانه. الوجهة واحدة، لكن الطريق إليها وما يتيحه من تجارب مختلفان.
هذا الاختلاف يتجاوز الراحة في التنقل؛ لأن تكرار الأفعال اليومية يتأثر بما يسمح به المكان. فحين يصعب المشي، قد يصبح استخدام السيارة هو الخيار المعتاد حتى للمسافات القصيرة، وحين يصعب الوصول إلى المساحات العامة، قد يقل ارتيادها. وهكذا لا يؤثر تصميم المدينة في مساراتنا فحسب، بل في الخيارات التي نمارسها باستمرار، وفي العادات التي تتشكل مع الوقت.
ويتضح ذلك في مسألة الوصول إلى الحدائق. فقد تناولت دراسة منشورة عام 2025 في مجلة Discover Cities العلاقة بين شكل العمران وإمكانية الوصول إلى الحدائق سيرًا على الأقدام في ثلاثة أحياء بمدينة جدة. واستخدمت الدراسة التحليل المكاني لقياس إمكانية الوصول، وفحصت عوامل منها التوزيع المكاني للحدائق، ونفاذية الكتل العمرانية، واتصال الشوارع. وأظهرت النتائج تفاوتًا بين الأحياء الثلاثة؛ إذ سجل حي النعيم أعلى مستويات الوصول، بينما سجل حي الحمراء أدناها.
وتكشف هذه النتائج أن وجود الحديقة داخل الحي لا يكفي وحده للحكم على سهولة الوصول إليها؛ فالموقع والمسارات المتاحة للمشاة وشبكة الشوارع تؤثر جميعها في إمكانية بلوغها. ومن ثم، لا يقتصر التخطيط الجيد على توفير المرافق، بل يشمل أيضًا تهيئة الظروف التي تسمح لمختلف السكان بالانتفاع بها.
ولا يتوقف أثر المكان عند الحركة والوصول؛ فهو يمتد إلى فرص التواصل بين الناس. فالشارع الذي يُستخدم للعبور السريع يختلف عن شارع يتيح التوقف والجلوس والمشاركة في الحياة المحيطة. وفي الحالة الثانية، قد تتكرر اللقاءات العابرة حتى يصبح بعض الوجوه مألوفًا، ويتحول السلام المتكرر إلى معرفة متبادلة.
لا تكفي الأرصفة والمقاعد وحدها لبناء مجتمع متماسك، ولا تنشأ العلاقات الاجتماعية من المكان وحده. لكن المساحات العامة تتيح فرصًا للقاء لا تتوافر بالقدر نفسه حين تنحصر الحركة بين المنزل والسيارة ومكان العمل أو الدراسة. وقد تساعد هذه اللقاءات المتكررة على نشوء شعور بالألفة مع المحيط، وإن كانت طبيعة العلاقات التي تنشأ عنها تختلف باختلاف الأشخاص والظروف.
وتقدم دراسة نُشرت عام 2021 في Journal of Urban Management مثالًا على هذه العلاقة. فقد تناولت الحياة العامة في حي شيراتون بالقاهرة خلال الأشهر الأولى من جائحة كورونا، واعتمدت على الملاحظة ومجموعات النقاش والمقابلات مع السكان. ورصدت عودة أنشطة اجتماعية إلى الشوارع والمساحات العامة خلال تلك الفترة، وخلصت إلى أن الظروف الجديدة أسهمت في نشوء روابط اجتماعية وتعزيز شعور السكان بالانتماء. غير أن الدراسة تتناول حيًا محددًا وظروفًا استثنائية، ولذلك لا يصح تعميم نتائجها على جميع المدن أو الأوقات. لكنها توضح كيف يمكن للفضاء العام أن يؤدي دورًا في الحياة الاجتماعية، بدلًا من أن يظل مجرد مساحة للمرور بين المباني.
ومع ذلك، لا يمكن تفسير علاقتنا بالمكان من خلال وظائفه اليومية وحدها؛ فالذاكرة تمنحه معنى يتجاوز خصائصه المادية.
قد يتعلق الإنسان بشارع لا يتميز بجمال معماري، أو بمحل صغير اختفى منذ سنوات، أو ببيت لم يعد يشبه ما يتذكره عنه. وقد تبدو قيمة هذه الأماكن محدودة لمن لا يعرف حكايتها، لكنها ترتبط لدى أصحابها بتجارب وأشخاص ومراحل من الحياة. وربما لا يكون الحنين إلى المكان في ذاته، بقدر ما يكون إلى ما عاشه الإنسان فيه وما يمثله له اليوم.
وحين تتغير ملامح المكان، قد تتغير الطريقة التي نستعيد بها ذكرياتنا المرتبطة به. فالمكان يمنح الذاكرة إطارًا ملموسًا يساعدنا على استحضار بعض التجارب، وقد يجعل اختفاء معالم مألوفة شعورنا بالماضي مختلفًا. ولهذا قد يشعر الإنسان بالغربة في حيّ يعرفه جيدًا بعد تغيره؛ فهو يتعرف إلى المكان، لكنه لا يجد الصورة التي ألفها من قبل.
لكن الحنين لا يعني أن علينا إبقاء المدن كما كانت، أو أن كل تغيير فيها خسارة. فالمدن تتطور مع تغير حاجات سكانها، وقد تحتاج بعض الأماكن إلى إعادة الاستخدام أو التطوير. إنما يكمن التحدي في التمييز بين تغيير يستجيب لحاجات حقيقية، وتغيير يتجاهل ما يؤديه المكان من وظائف اجتماعية وما اكتسبه من معنى لدى سكانه.
فالمدينة ليست متحفًا، لكنها ليست صفحة بيضاء كذلك. ويمكن تطوير الأحياء مع مراعاة ما يمنحها معناها، سواء بالحفاظ على بعض معالمها، أو بصون وظائفها الاجتماعية، أو بإشراك سكانها في القرارات التي تمس حياتهم اليومية. وليس المطلوب تجميد المكان في صورته القديمة، بل فهم ما يستحق الحفاظ عليه، وما يمكن تغييره دون إهدار قيمته لدى من يعيشون فيه.
وهنا تظهر علاقة متبادلة: نحن نصمم المدن لتناسب احتياجاتنا، ثم تتشكل بعض عاداتنا وفق ما تتيحه هذه المدن. فقد يصبح الاعتماد على السيارة عادة حين تكون الطرق غير ملائمة للمشاة، وقد يقل استخدام المساحات العامة حين يصعب الوصول إليها. ومع مرور الوقت، قد نعتاد هذه الظروف إلى درجة تجعلنا نتصور أنها جزء لا يمكن تغييره من حياتنا، مع أنها قد تكون نتيجة خيارات عمرانية قابلة للمراجعة.
ولا يعني ذلك أن المكان وحده يصنع طبيعة حياتنا؛ فالعلاقات الاجتماعية والظروف الاقتصادية والثقافة والسياسات العامة عوامل تتداخل في تشكيلها، كما تختلف استجابات الناس للبيئة نفسها. لكن هذه العوامل لا تلغي أهمية المكان، بل تجعل فهم أثره أكثر دقة: فهو لا يفرض على الجميع حياة واحدة، وإنما يوسّع بعض الخيارات ويضيّق غيرها.
ومن هنا، لا تُقاس جودة المدينة بارتفاع مبانيها أو اتساع طرقها وحدهما، بل بمدى قدرتها على تلبية احتياجات سكانها اليومية. فالمدينة التي يسهل فيها الوصول إلى الخدمات، وتتوفر فيها أماكن عامة آمنة، وتُراعى فيها احتياجات المشاة ومختلف فئات السكان، تمنح الناس فرصًا أوسع لاستخدامها والمشاركة في الحياة المحيطة بهم. ولا يكفي أن تتوافر هذه الإمكانات على الخريطة؛ بل ينبغي أن تكون قابلة للاستخدام فعلًا.
في النهاية، تتشكل علاقتنا بالمدينة من جانبين متداخلين: ما تتيحه لنا في حياتنا اليومية، وما نربطه بها من ذكريات وتجارب. فقد نألف مكانًا لأنه سهّل علينا حياتنا، أو نتعلق به لأنه شهد مرحلة لا نريد أن نفقد صلتنا بها. وبين المنفعة والذاكرة يتكون جزء من إحساسنا بالانتماء.
لذلك، حين نفكر في تطوير مدينة أو حيّ، لا يكفي أن نسأل عمّا سيُبنى فيه أو كيف سيبدو بعد اكتماله. علينا أن نسأل كيف سيعيش الناس فيه، وهل سيتمكنون من الوصول إلى مرافقه بسهولة، وما الفرص التي سيتيحها للتواصل والمشاركة، وما الذي يستحق أن يبقى من ملامحه.
فنجاح المدينة لا يتحدد بما تضيفه إلى خريطتها من مبانٍ وطرق فحسب، بل بمدى ما تتيحه هذه الإضافات من إمكانات حقيقية لسكانها، وبقدرتها على أن تكون مكانًا يعيشون فيه، لا مجرد مساحة يعبرونها.
#شمس #لآلئ_اليوم #مجتمع
@المتابعون

60 مشاهدة