ومضة كنانية | "مجتمعنا"
ليسَ "مجتمعُنا" جموعًا تزدحمُ في مكانٍ واحد، ولا أسماءً تتجاورُ في قائمةٍ طويلة، ولا أصواتًا تتعالى في المجالس ثم لا يلبثُ صداها أن يتبدّدَ في خواء؛ وإنّما المجتمعُ أرواحٌ تتآلف، وعقولٌ تتلاقح، وأيدٍ تتعاضد، وقلوبٌ تجدُ في صلاح غيرها بعضَ صلاحها، وفي نفع غيرها ضربًا من نفعها.
وإنّ من ضَعْفِ المرءِ أن يظنَّ أنّه يستغني بعلمه عن علم غيره، أو أنّه قد بلغ من الفضل منزلةً تُغنيه عن الإنصات إلى سواه؛ فما العلمُ إلا بحرٌ لا يُدرك ساحلُه، وما المرءُ إلا قبسٌ من نورٍ في ليلٍ تتعدّدُ فيه المصابيح. ولعلّ كلمةً يكتبُها مجهولٌ في أعين الناس، تُحيي في نفس قارئها معنىً أماته الغفول، أو تفتحُ له بابًا من الفكر ظلَّ دهرًا يطوفُ حوله ولا يهتدي إليه.
وما أحوجَنا إلى مجتمعٍ لا يستوحشُ فيه المبتدئُ من العالم! ولا يستنكفُ فيه العالمُ من المبتدئ؛ مجتمعٍ لا تُوزَنُ فيه العقولُ بعدد المتابعين، ولا تُكالُ فيه الفضائلُ بمكيال الشهرة، ولكن يُعرفُ فيه الفضلُ لأهله، ويُفسَحُ فيه المجالُ لكلِّ ذي فكرةٍ نافعة، ولكلِّ صاحب قلمٍ صادق، ولكلِّ نفسٍ تُضمرُ للناس خيرًا وإن قلَّ حظُّها من البيان.
وإنّي لأرجو مجتمعًا لا يتنافسُ أبناؤه على اعتلاء المنابر بقدر ما يتنافسون على إيقاد المصابيح، ولا يطلبُ فيه المرءُ أن يكونَ أوّلَ الناس ذكرًا، بل أن يكونَ في الناس أثرًا؛ فإنّ الذكرَ قد تُطفئُه السنون، وأمّا الأثرُ الصالحُ فربّما ظلَّ حيًّا في النفوس بعد أن غابَ صاحبُه عن العيون.
ذلك هو المجتمعُ الذي أرجوه -ولعلي وجدتُه- مجتمعًا يتّسعُ للعقول المختلفة ما دامت تلتمسُ الحقَّ، وللأقلام المتباينة ما دامت تحترمُ الكلمة، وللنفوس المتفاوتة ما دامت تتواصى بالخير؛ فلا يحتكرُ فيه أحدٌ النورَ لنفسه، ولا يستكثرُ على غيره أن يُضيءَ.
فما خُلِقَت المصابيحُ لتتنازعَ أيُّها أحقُّ بالضياء، وإنّما خُلِقَت لتطردَ الظلمة؛ وما كان العلمُ يومًا مِلكًا لصاحبه حتى يمنعَه، بل أمانةً في عنقه، كلّما أحسنَ أداءَها اتّسعَ نورُها، وعظُمَ نفعُها.
ولعلّ أجملَ ما يتركُه المرءُ في هذا العالم ليس اسمًا يتردّدُ على الألسنة، بل عقلًا أيقظه، أو نفسًا جبرها، أو فكرةً أنضجها، أو طريقًا عبّدَه لغيره؛ فالسعيدُ من عاشَ بين الناس نافعًا، ومضى عنهم وقد تركَ في نفوسهم ما يستحقُّ أن يُذكَر. #مجتمع
#مجتمع_عام
#لآلئ_اليوم

30 مشاهدة