مقعدٌ شاغر في القلب
لكلٍّ منا عين يرى بها من يحب، ولكل عين برواز يحتفظ بصورة أشخاص لهم مكانة خاصة في القلب. نضعهم في تلك المساحة بعناية، ونحاول ألّا نسمح لشيء أن يغيّر صورتهم بداخلنا، حتى حين يفعلون ما يستدعي منا إعادة النظر. لكن هل يظل البرواز محتفظًا بمكانه مهما حدث؟ وهل تكفي المحبة وحدها لإصلاح كل ما يُكسر؟
حين نحب شخصًا، لا نراه كما هو دائمًا، بل كما اعتدنا أن نراه، وكما نحب أن يبقى. نلتمس له الأعذار، ونتجاوز عن أخطائه، ونحاول أن نُبقي صورته كما رسمناها أول مرة. وقد عبّر ابن حزم الأندلسي عن ذلك بقوله: «وإنَّ الشيءَ يتضاعفُ حُسنُه في عينِ مُستحسِنِه».
ولهذا، حين يخدش أحدهم بروازه بأفعاله، لا نسارع إلى إخراجه من مكانه، بل نحاول إصلاح ما حدث، ونقنع أنفسنا بأن الأمر لن يتكرر. وربما نتحمل ما لم نكن لنقبله من غيره، فقط لأننا نحب صاحب الصورة، ولأننا لا نريد أن تتغير نظرتنا إليه. ومع الوقت، قد يعتاد هذا الشخص تسامحنا، حتى يظن أن مكانته مضمونة، وأننا سنظل نغفر له مهما فعل.
لكن ما لا ينتبه إليه البعض هو أن التسامح لا يعني أن الأذى لم يحدث، وأن الصمت لا يعني دائمًا الرضا. فهناك أشياء نتجاوز عنها، لكنها تترك أثرًا فينا، وهناك مواقف نمررها لأننا لا نريد خسارة أحد، لا لأننا لم نتأذَّ منها.
والحقيقة أن من يحاول ترميم البرواز ليس عاجزًا عن كسره، لكنه يختار ألّا يفعل، ويتمسك بما تبقى منه لأن صاحبه يعني له الكثير. غير أن كثرة الشروخ تُتعب حتى أكثر الأيدي حرصًا على الإصلاح، وقد يأتي يوم ينظر فيه إلى البرواز، فيدرك أنه لم يعد قادرًا على ترميمه مرة أخرى.
عندها، قد يرحل دون ضجيج، ودون أن يشرح للمرة الأخيرة لماذا تأذى، أو كم مرة حاول أن يتجاوز. وربما يستغرب الطرف الآخر هذا الرحيل، لأنه لم يعتد أن يرى منه سوى الصبر والاحتواء. لكنه لا يدرك أن الرحيل الذي يبدو مفاجئًا قد تكون وراءه محاولات كثيرة لم يرَ منها شيئًا، أو لم يأخذها على محمل الجد.
فليس من العدل أن نطلب من الآخرين احتمال كل شيء لمجرد أنهم يحبوننا، ولا أن نعتبر حنيتهم ضعفًا، أو نطمئن إلى وجودهم لدرجة تجعلنا نهمل مشاعرهم. لكل إنسان طاقة، ولكل نفس حدودها التي قد لا يعلن عنها صاحبها، حتى يصل إلى اللحظة التي لا يستطيع فيها الاستمرار.
ولذلك، لا تجعل غلظة طبعك سببًا في إيذاء من يحبك، ولا تظن أن حدّة لسانك أمرٌ يمكن تجاوزه في كل مرة. فليس كل من يسامحك لا يتألم، وليس كل من يبقى بجانبك قادرًا على البقاء إلى الأبد. قد تتمادى في أخطائك وأنت مطمئن إلى مكانتك، ثم تكتشف يومًا أنك خسرت شخصًا لم تكن تتوقع خسارته، وأن ما كنت تظنه مضمونًا كان يحتاج منك إلى بعض التقدير.
فالحنون نعمة، لكنه ليس شخصًا بلا مشاعر، ولا يعني صبره أنه لا يغضب، ولا يعني تسامحه أنه لا يملّ. ربما يمنحك فرصًا أكثر مما تستحق، ويختار بقاءك رغم ما يزعجه منك، لكنه في النهاية إنسان، وقد يصل إلى مرحلة لا يعود فيها قادرًا على منحك الفرص نفسها.
وأظن أن أقسى ما في الأمر ليس أن يقسو الحنون، بل أن يصل إلى هذه القسوة بعد أن استنفد كل محاولاته في الحفاظ عليك. أن يصبح الشخص الذي كان يبحث لك عن الأعذار غير راغب في سماعها، وأن يتوقف عن إصلاح ما تفسده، لا لأنه لم يعد يعرف كيف يفعل، بل لأنه لم يعد يريد أن يحمل وحده مسؤولية بقاء العلاقة.
إذًا، أيها القارئ، تذكّر أن المكانة لا يحفظها الحب وحده، بل يحفظها أيضًا حسن المعاملة، وأن وجود شخص حنون في حياتك لا يعني أن تختبر حدود صبره. فكما أن للعين صورة تحبها، فإن لها أيضًا قدرة على ألّا تعود إلى رؤيتها بالطريقة نفسها.
لا تغترّ بطول صبر أحدهم، ولا تظن أن من اعتاد احتواءك لن يتغير يومًا. عامل من يحبك بما يستحقه من تقدير، ولا تنتظر حتى يغادر لتدرك قيمة ما كان يقدمه لك.
فالبرواز قد ينكسر، والحنون قد يقسو، والمكانة التي لم نحافظ عليها قد نجد غيرنا يشغلها. وحينها، لن يفيدنا كثيرًا أن نقول: «ليتني».
#شمس #مجتمع
@المتابعون

35 مشاهدة