حين تتعدد صور القدر، وتخفى عنا حكمته
بمناسبة يوم الجمعة، ومع قراءة سورة الكهف، توقفت عند قصة موسى والخضر عليهما السلام، وتحديدًا عند المواقف الثلاثة التي ورد تفسيرها في ختام رحلتهما. وأكثر ما استوقفني فيها اختلاف هذه المواقف، وكيف كشف الله عن أمور لم تكن ظاهرة لموسى عليه السلام حين وقعت.
بدأت الرحلة بسفينة خرقها الخضر، فأنكر عليه موسى ذلك، وقال: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف: 71]. وكان اعتراضه مفهومًا في ضوء ما رآه؛ فسفينة يعمل بها أصحابها في البحر ويعتمدون عليها في معاشهم، لا يبدو إفسادها أمرًا يسيرًا. لكن الخضر كشف له لاحقًا عن السبب، فقال تعالى:
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: 79].
كان خرق السفينة ضررًا في ظاهره، لكنه حال دون استيلاء الملك عليها، وفق ما كشفه الله للخضر من أمره. فما رآه موسى إفسادًا للسفينة تبيّن له بعد ذلك أنه كان سببًا في حفظها لأصحابها.
ثم جاء موقف الغلام، وكان أشد وقعًا على موسى؛ إذ رأى الخضر يقتل غلامًا، فقال منكرًا:
﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾ [الكهف: 74].
فالأمر هنا لا يتعلق بمال يمكن إصلاحه، بل بنفس بشرية. ثم جاء التفسير في قوله تعالى:
﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: 80-81].
كشفت الآيتان عن أمر لم يكن موسى يعلمه، وعن إرادة الله أن يبدل الوالدين خيرًا منه صلاحًا ورحمة. لكن خصوصية هذا الموقف لا ينبغي أن تغيب عنا؛ فالخضر لم يتصرف بناءً على ظن أو توقع بشري، بل ختم تفسيره بقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾. ولذلك لا يصح أن نتخذ هذه الواقعة قاعدة نحكم بها على مستقبل الآخرين، أو نفسر بها مصائبنا من غير دليل؛ فالقصة تخبرنا بما كشفه الله في هذه الواقعة بعينها، ولا تمنحنا علمًا بالغيب.
أما الموقف الثالث، فيكشف عن صورة مختلفة. فقد وصل موسى والخضر إلى قرية أبى أهلها أن يضيفوهما، ومع ذلك أقام الخضر جدارًا كان على وشك السقوط، فتعجب موسى وقال: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: 77]. ثم جاء التفسير:
﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ [الكهف: 82].
لم يكن إصلاح الجدار متعلقًا بأهل القرية الذين بخلوا بالضيافة، بل كان لحفظ كنز يتيمين حتى يبلغا أشدهما ويستخرجاه. وقد ذكر المفسرون صلاح أبيهما في سياق بيان ما أحاط الله به اليتيمين من حفظ ورعاية بركةٍ لصلاح والدهما.
وهكذا تتعدد صور المواقف الثلاثة: في السفينة كان العيب سببًا في دفع الغصب عنها، وفي الغلام كشف الله عن أمر مخصوص يتصل بأبويه، وفي الجدار كان المقصود حفظ كنز اليتيمين إلى أن يبلغا السن التي يتمكنان فيها من استخراجه. وما يجمع هذه المواقف أن ظاهر الحدث لم يكن كافيًا لمعرفة حقيقته كاملة، وأن تفسيره جاء بعد أن كشف الله للخضر ما لم يكن معلومًا لموسى.
ويلفت النظر أدب التعبير البديع في ختام القصة واختلاف الضمائر؛ فقد قال الخضر عن السفينة: ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ بضمير المتكلم؛ فنُسب العيب إلى نفسه أدبًا، لأن الفعل ظاهره النقص والتثليم. ثم قال في الغلام: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾ بنون العظمة، لما في قتله وإبداله من دقة تجمع بين ظاهر العقوبة وباطن الرحمة للأبوين. فلما وصل إلى الجدار قال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ بذكر اسم الرب صراحةً، لأن حفظ مال اليتيمين وإكرامهما هو خيرٌ محض وتفضل إلهي خالص. ثم ختم الخضر تفسيره محددًا المرجع الإلهي لكل ما جرى: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، موضحًا أن تصرفه لم يكن اجتهادًا ذاتيًا ولا علمًا لدنيًا مستقلًا عنه.
وهنا تتضح المسافة بين ما نراه وما نعلمه؛ فقد شهد موسى عليه السلام الأفعال بنفسه وهو نبيٌ كليم، لكنه لم يكن يحيط بأسبابها الغيبية حتى جاءه التفسير. وهذا لا يعني أن كل ما يصيب الإنسان يحمل بالضرورة خيرًا دنيويًا خفيًا يراه بعينه، أو أن لنا أن نجزم بالحكمة التفصيلية لكل مصيبة؛ وإنما يذكرنا النص بقصور علومنا البشرية أمام سعة التدبير الإلهي، ويمنح قلوبنا الطمأنينة حين ندرك أن عدم فهمنا للحكمة لا يعني عدم وجودها.
فقد نعرف من بعض الأحداث أسبابها ونتائجها، وقد تمر بنا أمور مبهمة لا نفهم حكمتها، ولا نملك تجاهها إلا أن نأخذ بالأسباب المشروعة، ونلتزم بما أمرنا الله به، ونفوّض إليه ما غاب عنا علمه. وبين الأمرين فرق مهم: أن نؤمن بسعة علم الله وحكمته المطلقة، دون أن ندّعي معرفة الغيب أو ننسب إلى كل واقعة تفسيرًا لم يدل عليه دليل.
﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
#مجتمع #شمس #لآلئ_اليوم
@المتابعون
50 مشاهدة