بين الولاء والامتعاض
في كتابه «الخروج، والصوت، والولاء» (Exit, Voice, and Loyalty)، يدرس عالم الاقتصاد ألبرت هيرشمان ردود فعل الناس حين تتراجع مؤسسة أو شركة أو دولة، عارضاً ثلاثة مسارات: الخروج (المغادرة)، والصوت (الاعتراض ومحاولة الإصلاح)، والولاء (التمسك رغم الخلل).
وتظهر هذه المسارات في تفاصيل حياتنا؛ فالزبون الذي يلاحظ تراجع جودة متجره المفضل قد يتركه، أو يشتكي للإدارة، أو يواصل التعامل معه ثقةً بالتحسن. والموظف الذي يواجه خللاً قد يستقيل، أو يطرح حلاً، أو يصمت بدافع الانتماء. وحتى داخل الأسرة أو الحي، يكون الاعتراض غالباً محاولةً لإصلاح العلاقة لا قطعها.
حين تسوء الأحوال، يتوزع الناس بين راحل، ومطالب بالتغيير، ومترقب. لكن الولاء إذا تحول إلى صمت مطبق، فقد يطيل عمر الخلل؛ وإذا قوبل الامتعاض بالتجاهل، تحول إلى انسحاب نهائي تفقد معه المؤسسة فرصة الإصلاح.
فلا يعني الولاء تبرير الأخطاء، ولا يعني الاعتراض خيانة؛ بل كبيراً ما يكون النقد دليلاً على اهتمام صاحبه ورغبته في الإصلاح. أما حين تُغلق أبواب الإصغاء ويُقابل النقد بالعقاب، يتراجع هذا الاهتمام، ويصبح الرحيل الخيار الحتمي.
يبقى الولاء حيًّا ما وجد صوتاً مسموعاً وأفقاً للإصلاح؛ فإذا قُوبل بالصمت، ذبل تدريجيًا ليترك مكانه للغياب.
#خربشات

29