عن السرقات العلمية والنزاهة الأكاديمية
هل تسقط الأمانة العلمية بالتقادم؟
وهل تكفي الشهرة أو المكانة الأكاديمية أو المنصب الرفيع لحماية صاحبها من المساءلة بعد عشرين أو ثلاثين عامًا؟
تأملوا هذه الأسماء:
إتيان كلاين، الفيزيائي وفيلسوف العلوم الفرنسي.
جايسون أرداي، أستاذ علم اجتماع التعليم البريطاني.
أورسولا فون دير لاين، الطبيبة ورئيسة المفوضية الأوروبية.
كارل تيودور تسو غوتنبرغ، وزير الدفاع الألماني الأسبق.
أنيته شافان، وزيرة التعليم والبحث العلمي الألمانية السابقة.
شخصيات تنتمي إلى عوالم العلم والسياسة، لكنها ارتبطت، بدرجات ونتائج مختلفة، بقضايا تتعلق بالانتحال والنزاهة الأكاديمية. بعض هذه القضايا انتهى بسحب الدكتوراه، وبعضها لم يثبت فيه ما يستوجب ذلك، وبعضها ظل موضع تحقيق ونقاش.
في فرنسا، سحبت جامعة باريس سيتي عام 2026 دكتوراه إتيان كلاين في فلسفة العلوم، بعد تحقيق استمر نحو عشرين شهرًا وخلص إلى وجود انتحال في أطروحته التي ناقشها سنة 1999. أي أن المساءلة جاءت بعد نحو 27 عامًا من مناقشة الأطروحة، رغم المكانة العلمية والإعلامية التي اكتسبها صاحبها خلال تلك السنوات.
وفي بريطانيا، واجه جايسون أرداي اتهامات بالانتحال طالت أطروحته وبعض أعماله الأكاديمية. وكان قد نفى الاتهامات، بينما أعلنت جامعة كامبريدج التحقيق في ظروف تعيينه وبعض المسائل المرتبطة بمسيرته الأكاديمية. استقال من الجامعة في 5 أغسطس 2026، ثم عُثر عليه متوفى في منزله بلندن في 14 أغسطس. وقالت الشرطة إن الوفاة غير متوقعة، لكنها لا تُعامل باعتبارها مشبوهة.
أما في ألمانيا، فقد سحبت جامعة بايرويت سنة 2011 درجة الدكتوراه من وزير الدفاع آنذاك، كارل تيودور تسو غوتنبرغ، بعد ثبوت مخالفات واسعة للمعايير العلمية في أطروحته. ولم تتوقف تداعيات القضية عند الجامعة، بل استقال لاحقًا من منصبه الوزاري.
وكانت المفارقة أكبر مع أنيته شافان، وزيرة التعليم والبحث العلمي السابقة. فقد أُعيد فحص أطروحتها التي تعود إلى عام 1980، وسحبت جامعة هاينريش هاينه في دوسلدورف درجة الدكتوراه منها سنة 2013، ثم رفض القضاء الألماني طعنها وأيّد مشروعية القرار.
أما أورسولا فون دير لاين، فكانت النتيجة مختلفة. فقد خضعت أطروحتها الطبية للتحقيق بعد اتهامات بالانتحال، ورُصدت فيها مشكلات في الاقتباس والإسناد، لكن كلية هانوفر الطبية لم تجد ما يكفي لسحب الدكتوراه، فاحتفظت بدرجتها.
هذه الحالات، على اختلاف نتائجها، تطرح مبدأً مهمًا:
الأطروحة العلمية لا تصبح فوق المراجعة لأنها قديمة، وصاحبها لا يصبح فوق المساءلة لأنه مشهور أو صاحب منصب.
وهنا يبدأ السؤال الذي يعنينا نحن:
ماذا لو فتحنا أرشيف جامعاتنا؟
ماذا لو رقمنّا رسائل الماجستير والدكتوراه خلال العقود الماضية، وأتحناها للباحثين، وأخضعناها لفحص منهجي للمصادر والتشابه، ثم راجعنا الأبحاث والمنشورات التي بُنيت عليها الترقيات الأكاديمية؟
لا أطرح هذا السؤال لاتهام أحد. قطعًا يوجد في جامعاتنا أساتذة أجلاء بنوا مسيرتهم بالعلم والتدريس والبحث في ظروف صعبة، وهؤلاء تحديدًا من مصلحتهم وجود نظام صارم للنزاهة الأكاديمية؛ لأن غياب المعايير يساوي، في النهاية، بين صاحب الكفاءة ومن حصل على الدرجة أو الترقية بطرق غير سليمة.
لكن لا ينبغي أيضًا تجاهل ما يُتداول داخل الوسط الأكاديمي التشادي من اتهامات بنسخ البحوث وإعادة تدويرها، أو شكاوى بعض الطلاب من الاستيلاء على أفكارهم أو نتائج أبحاثهم.
هذه اتهامات خطيرة، ولا يجوز تحويلها إلى حقائق بلا أدلة، كما لا يجوز دفنها إذا وُجدت أدلة عليها. الطريق الصحيح هو التوثيق والتحقيق المستقل.
فالطالب غالبًا هو الحلقة الأضعف في العلاقة الأكاديمية. وإذا ثبت أن مشرفًا استولى على بحث طالب أو نتائجه ونشرها باسمه، أو استفاد منها في ترقية أكاديمية، فإن القضية تتجاوز مجرد «النسخ واللصق» إلى إساءة استخدام للسلطة الأكاديمية.
وعندها لا ينبغي أن يكون السؤال فقط:
من سرق؟
بل أيضًا:
من أشرف؟ من راجع؟ من ناقش؟ ومن منح الدرجة أو الترقية؟
لهذا تحتاج جامعاتنا إلى أرشيف رقمي مفتوح للرسائل والأطروحات، وآليات جادة لكشف التشابه والانتحال، وقواعد واضحة للتأليف والنشر العلمي، وجهة مستقلة للنزاهة الأكاديمية تحقق في الشكاوى وتحمي الطالب من الاستغلال، كما تحمي الأستاذ من الاتهامات التي لا تستند إلى دليل.
فإذا كان بالإمكان مراجعة أطروحة في فرنسا بعد نحو 27 عامًا، وسحب درجات دكتوراه في ألمانيا بعد عقود من منحها، فلا يوجد سبب يجعل أرشيف جامعاتنا منطقة محرّمة.
الأمانة العلمية لا يحميها مرور الزمن، والجامعة التي لا تستطيع مراجعة أخطائها لا تستطيع حماية قيمة شهاداتها.
#خربشات نخ

4 مشاهدة



