اغتيال المعنى ... اللغة في ميزان الزيف الرقمي و صناعة الوهم
تعدّ اللغة أسمى تجليات الوعي البشري و جسر تواصل شيّدته الحضارات ، إلا أنها في عصر الرقمنة و بفعل تطوراتها الرهيبة و السريعة انحرفت عن وظيفتها التعبيرية لتصبح معولا في يد صنّاع الوهم و من خلفهم بكل تأكيد . لقد تحوّلت الكلمات من أوعية للمعنى إلى قوالب للنفاق مما يجعلنا نعيش في فوضى لسانية تحجب الحقيقة اكثر مما تكشفها .
يقول ابن حزم الاندلسي :" ليس بين النفاق و الإخلاص إلّا كلمة ، و لكن خلف تلك الكلمة تكمن حقيقة الوجود ".
الممعن في قول ابن حزم يدرك أن النفاق اللغوي يتجلى بوضوح في قدرة المؤثرين و المؤسسات على استخدام اللغة كعاطفة بديلة مصممة لغزو الحيز النفسي للفرد فيتم استبدال المصطلحات الصريحة بأخرى هلامية تعمل دور المعنى العاطفي و كثيرا ما تكون مخادعة ليتحول الإستهلاك الجشع إلى جودة حياة و يصبح الاستغلال المادي نوعا من المشاركة المجتمعية .
هذا الاستخدام المقنع للغة يجرد الكلمات من قدسيتها و يحولها إلى فخاخ خطابية هدفها تعطيل مبدأ العقل البشري في النقد ، حيث لن يكتشف خدعة الخطاب في أنه لم يكن مطلقا موجها للإقناع و إنما للتنويم ما يجعل الزيف حقيقة مطلقة تسهل خلقها عملية انقياد المتلقي بشعارات براقة ظاهريا خاوية من حيث المعنى الفكري و القيمي.
علاوة على ذلك أو نتيجة لذلك فإن استغلال اللغة خلق نوعا من الأميّة ، حيث يتقن الفرد قراءة الكلمات في حين أنه يعجز عن فك شفرات غاياتها الخفية و تلك لعمري صدمة حقيقية في اجترار المعنى السطحي دون اللجوء إلى اساليب التفكيك و التدقيق .
إن الخلاص حتمية و ضرورة ملحّة من هذا الاستلاب اللساني ، لكنه يتطلب إعادة اعتبار للمعنى الأصيل للكلمات و ربط القول بالعمل كمعيار وحيد للصدق.
و إنّي لأرى التشكيك كٱلية فكرية حول كل خطاب فضفاض من أنجع الطرق الفكرية التي يمكن أن تكون خلاصا و مناصا من سطوة الوهم اللغوي كما أن العودة إلى لغة الواقع ما يعكس التجربة الانسانية الخام بعيدا عن التزييف الاصطناعي و التعقيد الممنهج بلسان براق ألف ارتداء القناع من أجل بيع الاوهام.
و في الختام تظلّ اللغة سلاحا مشخوذا من جانبيه ، حد للتحرر و التنوير و حد للقيد و التضليل .
إن حماية وعينا من نفاق صناع الوعي يبدأ من حماية لغتنا من الابتذال و الاستغلال ، فمن يملك اللغة يملك القدرة على صياغة الواقع و إذا ما أردنا الخروج من نفاق الوهم علينا أن نبني وعيا لغويا صلبا يفرّق بين بلاغة الصدق و براعة الكذب ، لتبقى الكلمة وسيلة للبناء لا معولا للهدم في مسارح الوهم الرقمي ... #مجتمع #أوراق #ثقافة #مقال #محمد_شهاب

1 مشاركة35 مشاهدة