« متاهات الزمن »
نعتقد أننا نتحكم في وقتنا، نحسبه بالدقائق والساعات، نقسمه إلى أيام وشهور، لكن الحقيقة أن الزمن لا يُقاس كما نعتقد. إنه يمضي وفق شعورنا به، لا وفق عقارب الساعة. هناك لحظات تمر كأنها برق، وأخرى تثقل علينا كأنها أبدية. الزمن ليس كما يبدو، بل كما نشعر به في أعماقنا.
حين نكون سعداء، يمر اليوم سريعا وكأنه لم يكن. وعندما نحمل أعباء القلب، يصبح الليل طويلا، ثقيلا، لا ينتهي. في لحظات الود و المحبة ، يتوقف الزمن، تصبح الساعة مجرد تفصيلة هامشية في وجه اللحظة. وحين نفقد من نحب، يتحول الوقت إلى فراغ ممتد، كأن عقارب الساعة تتباطأ لتزيد من ثقل الغياب.
نظن أننا نعيش وفق جدول زمني، لكن في الواقع، نحن نعيش وفق إيقاع أرواحنا. الوقت ليس في الساعة التي تراقبها، بل في التجارب التي تمر بها. اللحظة التي تشعر فيها أنك حيٌّ بحق، هي لحظة يتوقف فيها الزمن، يصبح مجرد إطار فارغ لما تشعر به.
الزمن ليس كما يبدو، وربما لهذا السبب لا يمكننا الإمساك به، بل نستطيع فقط أن نحياه بكل ما أوتينا من شعور، لأن كل لحظة تعيشها حقا هي اللحظة التي تنجو من قبضة النسيان.
كلما تقدمنا في العمر، كلما أدركنا أن الزمن لا يسير في خط مستقيم كما تصورناه يوما. هو أشبه بدوامة، يأخذنا من لحظة إلى أخرى، ثم يعيدنا إلى ذكريات لم نعتقد أنها ستعود. الماضي لا يموت حقا، بل يعيش في تفاصيلنا، في صوتٍ سمعناه قبل سنوات، في عطرٍ يمر فنعود فجأة إلى لحظة اعتقدنا أنها انتهت.
الزمن يختبئ في الأشياء الصغيرة التي لا ننتبه إليها. في تجاعيد وجه أحببناه، في صفحة كتاب قديم، في رسالة كتبناها منذ سنوات ولم نرسلها. هو في صوت الضحكات التي تملأ الغرفة، ثم في الصمت الذي يخلفه الرحيل. في نظرة وداع لم ندرك أنها الأخيرة، وفي لقاء عابر ظنناه بلا معنى، لكنه ترك أثرا في القلب لا يُمحى.
نحاول أحيانا اللحاق بالوقت، أن نعيشه بكامل وعينا، لكننا نكتشف أنه كالسراب، ما إن نظن أننا أمسكنا به، حتى يبتعد أكثر. في سعي الإنسان للنجاح، ينشغل بالمستقبل وينسى أن الزمن الحقيقي هو اللحظة التي يعيشها الآن. نخطط، نحلم، نؤجل السعادة إلى الغد، لكن الحقيقة أن الغد ليس مضمونا، وما نملك حقا هو هذا الوقت، هذه اللحظة التي تمر بين أيدينا الآن.
ربما السر في التعامل مع الزمن ليس في محاولة إيقافه أو اللحاق به، بل في أن نتعلم كيف نعيش كل لحظة منه بكامل وعينا. أن ندرك أن السعادة ليست شيئا مؤجلًا، وأن كل لحظة محبة ، كل لحظة دفء، كل لحظة صدق، هي لحظة تستحق أن تُعاش كما هي، دون خوف من الفقد أو قلق مما سيأتي بعدها.
في النهاية، الزمن ليس كما يبدو، لكنه يترك فينا أثره، يعلّمنا، ويأخذ منا، ويمنحنا في المقابل شيئا لا نراه إلا بعد فوات الأوان: الحكمة بأن اللحظة التي نحياها الآن هي أغلى ما نملك.
بقلم : جواد العوالي / المملكة المغربية 🇲🇦
@المتابعون #مجتمع #ثقافة

70 مشاهدة