أبِي الشَّهيد
عرجتُ وما عرجتُ إلى السَّماءِ
ولكِنْ كانَ مِن ألفٍ لباءِ
أُحبُّكَ يا أبِي ، والحبُّ دينٌ
وأنتَ لهُ جميعُ الأنبياءِ
أوجهُ الشَّمسِ من نورٍ بهيٍّ
ووجهُكَ أنتَ من طينٍ وماءِ ؟!
وهذِي الشَّمسُ تحكي فِيكَ شِعرا
كأنَّ الشمسَ أمُّ أبِي العَلاءِ
وتحكِي عنكَ أنَّكَ جدُّ أُمٍّ
لَها وأَبٍ يورِّثُ بالضِّياءِ
ويَحكي النجمُ عن عفٍّ عليٍّ
وعن حُرٍّ تضرَّجَ بالدِّماءِ
ويحكِي عنكَ كلُّ الخلقِ حتى
بذكرِكَ شكَّ مكنونُ الفناءِ
فصوتُكَ فيهِ صوتُ أذانِ فجرٍ
وإنْ نادَى المؤذنُ للعشاءِ
وذكراكَ الَّتي لم أُبقِ ذكرى
سواها لا تعودُ إلى الوراءِ
بماذَا ؟ قِيلَ : بالأيَّامِ تُقضَى
ومَن سَيُزيلُها ؟ قالوا : التَّنائِي
وقد شُيِّعتَ ليتَكَ فِي فؤادي
وإن فُدِّيتَ ليتكَ مِن دمائِي
فمُنذُ قضيتَ ما نامَت عيونِي
ومُنذُ رحلتَ لم يرحلْ بُكائِي
ومنذُ رحلتَ صامَ النَّاسُ عنِّي
وصامَ ذووا المصالحِ والرَّجاءِ
فحظُّكَ حظُّ لا تَهنُوا ، وحظِّي
كحظِّ الصَّابرينَ على البَلاءِ
وضعتُ يَدِي على ضلعٍ كسيرٍ
وقلبٍ مُرهقٍ وعلى خَواءِ
وأسئلتِي كثيراتٌ فهل مِن
طبيبٍ ذاقَ قبلِي مثلَ دائِي
لِأسألَ أينَ ؟ قيلَ : مَتى ؟ وأنَّى ؟
فقلتُ أَتى بفوجٍ مِن ضياءِ
أمُتَّ ؟ ، وقد أمَتَّ بذاكَ قلبِي
وأصلى نارَه أيَّ اصطلاءِ
وغادَر في المجازِ حدودَ معنَى
يُسمَّى _ واستعاذَ مِنَــ _ البقاءِ
وشتَّ الزَّهرُ عن عطرٍ وريحٍ
وأقلعت الطُّيورُ عن الغِناءِ
فكيفَ ؟ وكيفَ لا ؟ وأجدتَ فينَا
حكاياتِ الشموخِ والِاقتداءِ
وتقضي حاجةً للنَّاسِ أغرت
بِمثلِ قضائِها أهلَ الرِّياءِ
تُجيرُ إذا استُجرتَ بمُستجيرٍ
شكى لكَ أيَّ ظُلمٍ وافتراءِ
وتحمِلُ فوقَ ظهرِكَ مُستريحًا
حوائجَهُ على غيرِ استياءِ
وكنتَ قطعتَ لي وعدًا تخلَّى
به قلبِي البكيُّـ عن البُكاءِ
فقلتَ تزورُنِي في الحُلمِ جئنِي
فمنذُ وعدتَ أُمسِكُ بالمَساءِ
فكم وعدٍ لحرٍّ ليسَ يُوفَى
ووعدُ الحرِّ دينٌ في القضاءِ
وإنَّكَ مثلُ خلقِ اللهِ لكن
تمُوتُ ولا تموتُ عن الوفاءِ
وكم من ممسكٍ للهِ رزقًا
ويبخلُ لا يُجرَّبُ في العطاءِ
وأنت على غِناكَ بكلِّ فضلٍ
فمثلُكَ لا يُجارى بالسَّخاءِ
وتكرِمُ من يدٍ يمنى ويسرى
فتعملُ في الخفاءِ وفي الخفاءِ
لِتلقَى اللَّه غرَّةَ كلِّ وَفدٍ
فزِدْ أكرمْ وأجملْ باللِّقاءِ
لِموتِكَ كيفَ يُرثى وهْوَ موتٌ
بِهِ يُثني الثَّناءُ على الثَّناءِ
محمَّدُ ماتَ وهْوَ بِها نبيٌّ
وأنت بتلكَ معهُ على سَواءِ