حينَ يرتدِي الجهلُ ثوبًا أنيقًا
ليس أخطر على الإنسان من أن يجهلَ ، بل أن يجهلَ وهو يظن أنه يعلمُ ، وأن يُغلِقَ نوافذَ عقلِه بيديه ، ثمَّ يقف خلف أبوابِها المغلقةِ متباهيًا بأنَّه يرى العالم كلَّه .
لقد كان الجهلُ قديمًا يُعرَف من صاحبه ؛ فيبدو في عجزه عن القراءة ، أو قصوره عن الفهم ، أو اضطرابه أمام سؤال لا يعرف جوابه .
أمَّا اليوم ، فقد ارتدى الجهلُ ثيابًا أنيقةً ، وتعلَّم كيف يتحدث بثقةٍ ، وكيف يجادل بلا دليلٍ ، وكيف ينتصر لنفسه حتى حين تهزمه الحقيقة .
صرنا نعيش في زمنٍ يستطيع فيه المرءُ أن يصلَ إلى آلاف الكتبِ بضغطة إصبع ، لكنَّه قد يعجز عن قراءة فكرة واحدة بعمق .
تتزاحم المعلومات حولنا كما تتزاحم الأمواجُ على شاطئ مزدحمٍ ، غير أن كثرتَها لا تعني أننا نمتلك المعرفة ؛ فليس كل من جمع الماء ارتوى ، ولا كل من حفظ الكلمات فهم المعاني .
فلا تكن ممن يملؤون عقولهم بالمعلومات ويتركون قلوبهم فارغة من الحكمةِ ، ولا ممن يحفظون أقوال الحكماءِ ثم يعجزون عن التصرُّف بحكمة في أبسط المواقف .
اقرأ لتفهم ، وتعلّم لتتغيّر ، وحاور لتقترب من الحقيقة ، لا لتنتصرَ لنفسك .
فليس المثقف من يملك الإجابةَ عن كل سؤالٍ ، بل من يعرف كيف يسأل ، ومتى يصمت ، وأين يبحث ، وكيف يعترف بخطئهِ دون أن يشعر أن كرامتَه قد انتقصت .
وفي نهاية المطافِ ، ستظل المعرفة بابًا ، والعقل مفتاحًا ، والتواضع يدًا تفتح ذلك الباب .
أمَّا من ظنَّ أنَّه بلغ نهاية العلم ، فقد أغلق على نفسه الطريقَ عند أول خطوة ؛ لأنَّ بحر المعرفة لا شاطئَ له ، وكلما اتسعت دائرة ما نعرفُ ، اتسعت معها دائرة ما ندرك أننا نجهلُه .
فكن طالبَ معرفةٍ لا أسيرَ قناعةٍ ، وصاحبَ عقلٍ لا أسيرَ غرورٍ ؛ فالعقولُ العظيمةُ لا تخشى أن تتعلمَ ، وإنَّما تخشى أن تتوقفَ عن التعلُّم .
#فهد
21 مشاهدة