سَمِعْتُ صَوْتَ الهُدُوءِ،
╭─────────────── ✦ ───────────────╮
سَمِعْتُ صَوْتَ الهُدُوءِ،
كانَ صَوْتِي.
يَمْشِي حافِيًا
فَوْقَ أَرْصِفَةِ الغَيْمِ،
ويَحْمِلُ فِي يَدَيْهِ
مَفَاتِيحَ البَحْرِ،
وأَسْمَاءَ النُّجُومِ
الَّتِي نَسِيَتْ مَنَازِلَها.
كُنْتُ أَمْشِي،
والكَوْنُ يَتْبَعُنِي
كَمُوسِيقَى تَعَلَّمَتْ
كَيْفَ تَصْمُتُ.
لِيَ مِنَ الصَّمْتِ
مَا لِلْبَحْرِ مِنَ الغَرَقِ،
وَلِيَ مِنَ العُلُوِّ
مَا لِلْجُرْحِ مِنَ السَّمَاءِ.
أُشِيرُ إِلَى الغَيْمِ،
فَيَخْلَعُ مَاءَهُ،
أَلْمَسُ جَبْهَةَ اللَّيْلِ،
فَيَنْحَنِي القَمَرُ
كَمَلِكٍ تَذَكَّرَ
أَنَّ لِلضَّوْءِ سَيِّدًا آخَرَ.
أَنَا لَسْتُ صَوْتًا
فِي زِحَامِ الأَصْوَاتِ،
أَنَا المَسَافَةُ
بَيْنَ الصَّدَى وَاخْتِفَائِهِ،
أَنَا آخِرُ مَا تَقُولُهُ الرِّيحُ
حِينَ تَتْعَبُ مِنَ الطَّرِيقِ.
وَلِيَ فِي الهُدُوءِ
مَمْلَكَةٌ لَا تُرَى،
عَرْشُهَا كُرْسِيٌّ مِنَ الضَّبَابِ،
وَتَاجُهَا نَجْمَةٌ
تَنَامُ عَلَى جَبِينِي،
وَحُرَّاسُهَا ذِئَابٌ
تَحْلُمُ بِجَنَاحَيْنِ.
أَدْخُلُ لَيْلِي
فَتَتَّسِعُ العَتَمَةُ،
تَفْتَحُ لِيَ الأَبْوَابَ،
وَتُشْعِلُ فِي أَرْكَانِهَا
شُمُوعًا مِنَ المُحِيطِ.
أَجْلِسُ وَحْدِي،
فَتَجْلِسُ حَوْلِي
جَمِيعُ الأَشْيَاءِ
الَّتِي لَمْ يَجِدِ العَالَمُ
لَهَا أَسْمَاءً.
تَجِيءُ المَجَرَّاتُ
لِتَسْتَرِيحَ عَلَى كَتِفَيَّ،
وَتُخْفِي النُّجُومُ
بَرِيقَهَا فِي مَعْطَفِي،
وَيَتْرُكُ البَحْرُ
أَمْوَاجَهُ عِنْدَ بَابِي،
وَيَعُودُ إِلَى عُمْقِهِ
كَطِفْلٍ أَضَاعَ لُعْبَتَهُ.
أَيُّهَا الضَّجِيجُ،
خُذْ مَا تَشَاءُ مِنَ العَالَمِ،
لَكَ الأَسْوَاقُ،
وَلَكَ المَنَابِرُ،
وَلَكَ حُلُوقٌ
تَتَنَافَسُ عَلَى الصَّدَى.
أَمَّا أَنَا،
فَلِيَ هَذَا السُّكُونُ
الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِمِلْءِ الكَوْنِ،
وَلِيَ هَذَا الفَرَاغُ
الَّذِي يَضَعُ الأَجْنِحَةَ
فِي أَيْدِي المَلَائِكَةِ.
لَا أَحْتَاجُ إِلَى مِرْآةٍ،
أَنَا وَجْهِي حِينَ تَتْعَبُ المَرَايَا،
وَأَنَا ظِلِّي
حِينَ يَفِرُّ الظِّلُّ مِنْ صَاحِبِهِ،
وَأَنَا المَعْنَى
حِينَ تَسْقُطُ الكَلِمَاتُ
مِنْ فَمِ القَصِيدَةِ.
أَضَعُ يَدِي عَلَى صَدْرِي،
فَتَخْفِقُ فِيهِ مَدِينَةٌ
لَمْ تَعْرِفِ الحُدُودَ،
وَتَسْتَيْقِظُ فِي دَمِي
خُيُولٌ مِنَ الضَّوْءِ،
تَعْبُرُ سَهْلَ الرُّوحِ،
وَتَتْرُكُ خَلْفَهَا
أَثَرًا مِنَ النُّجُومِ.
كُلَّمَا صَمَتُّ،
ارْتَفَعَتْ فِيَّ الأَشْيَاءُ:
شَجَرَةٌ تَخْلَعُ جُذُورَهَا
وَتُحَلِّقُ فَوْقَ الغَابَةِ،
نَهْرٌ يَجْرِي إِلَى مَصْدَرِهِ،
وَطَائِرٌ يَحْمِلُ قَفَصَهُ
فِي جَنَاحَيْهِ.
حَتَّى الحُزْنُ
يَجْلِسُ عِنْدِي بِهَيْئَةِ أَمِيرٍ،
يَخْلَعُ سَوَادَهُ،
وَيُصْغِي.
وَحَتَّى الوَحْدَةُ
تَتَكَوَّرُ فِي رُكْنِي
قِطَّةً مِنَ النُّورِ،
تَفْرُكُ رَأْسَهَا بِقَلْبِي،
وَتَنَامُ.
لَا أَطْلُبُ مِنَ العَالَمِ
أَنْ يَفْهَمَنِي،
لِلْبَحْرِ لُغَتُهُ،
وَلِلْجَبَلِ صَمْتُهُ،
وَلِلْبَرْقِ لَحْظَتُهُ العَابِرَةُ.
أَنَا لِيَ لُغَةٌ
تَخْرُجُ مِنْ جَيْبِ المُسْتَحِيلِ،
وَتَتَعَلَّقُ بِأَطْرَافِ الرِّيحِ،
وَتَرْسُمُ لِلْغَيْبِ
وَجْهًا يُشْبِهُنِي.
سَمِعْتُ صَوْتَ الهُدُوءِ
مَرَّةً أُخْرَى،
فَارْتَجَفَتْ فِي بَعِيدِ السَّمَاءِ
مَجَرَّةٌ كَامِلَةٌ.
كَانَ صَوْتِي،
وَكَانَ فِي الصَّوْتِ
مَا يَكْفِي لِيَسْكُتَ العَالَمُ،
وَيَسْمَعَ نَفْسَهُ
لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.
ثُمَّ مَضَيْتُ...
لَمْ يَكُنْ تَحْتَ قَدَمَيَّ طَرِيقٌ،
كَانَ الفَضَاءُ يَفْتَحُ لِيَ المَدَى،
وَكَانَتِ الأَرْضُ
تُرَتِّبُ خُطَاهَا خَلْفِي.
وَفِي آخِرِ اللَّيْلِ،
حِينَ أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ،
رَأَيْتُ الكَوْنَ كُلَّهُ
يَضَعُ رَأْسَهُ عَلَى كَفِّي...
وَيَنَامُ.
╰─────────────── ✦ ───────────────╯