الذاكرة تنتقي ما تشاء
نعتقد، في مطلع العمر، أننا نملك زمام الطريق، وأن الأيام محطات نعبرها نحو غايات رسمناها بعناية. نخطط، ونحلم، ونؤجل، كأن المستقبل ينتظر عند أبواب أمنياتنا. لكننا، كلما أوغلنا في التجربة، أدركنا أن الحياة لا تسير دائما وفق ما نشتهي، وأن بعض الطرق التي اخترناها تقودنا إلى حيث لم نتوقع، بينما تقودنا أخرى، رغم وعورتها، إلى اكتشاف أعمق لأنفسنا.
إن متاهة الإنسان الكبرى ليست في تعقيد الحياة فحسب، بل في محاولته إخضاعها لتصوراته، متناسيا أن للروح حساباتها الخاصة، وأن بعض المواقف العابرة قد تترك فينا أثرا يفوق ما تتركه أعوام كاملة. فكم من لقاء غيّر نظرتنا إلى الأشياء، وكم من كلمة بقيت عالقة في الذاكرة، وكم من غياب كشف لنا حقيقة علاقة لم نكن نفهمها. ولعلّ قيمة ما نعيشه لا تكمن في امتداده، وإنما في المعنى الذي يتركه في أعماقنا.
حين تكون الروح مطمئنة، نجد في أبسط التفاصيل ما يستحق الامتنان؛ جلسة هادئة، أو حديث صادق، أو وجه مألوف يخفف عنا ضجيج العالم. أما حين تتراكم الهموم، فتغدو الأشياء الصغيرة أعباء إضافية، ويصبح الصمت مساحة تضجّ بالأسئلة. عندها ندرك أن الطمأنينة و السكينة ،هي التصالح مع ما لدينا، والتحرر من استنزاف أرواحنا في مطاردة ما لا نستطيع تغييره.
ومع تقدمنا في العمر، تتبدل علاقتنا بالماضي، فلا يغدو حكاية و انتهت، ولكن مرآة نرى فيها ملامحنا القديمة، ونقيس من خلالها المسافة بين براءة البدايات وحكمة التجربة. قد تعيدنا رائحة عطر (بخور العود) إلى بيت غادرناه منذ سنوات، أو يوقظنا صوت مألوف على ذكرى ظننا أنها غابت. فنكتشف أن بعض الأمكنة لا تزال قائمة في داخلنا تراودنا في أحلامنا ، وإن اختفت من خرائط الواقع.
غير أن الذاكرة ليست أمينة دائما؛ فهي تنتقي ما تشاء، وتمنح بعض الأحداث ألوانا صنعها الشوق، وتُخفي ما كان يرافقها من حزن . لذلك، لا يكمن النضج في التعلق بالماضي أو إنكاره، لاسيما في استيعاب دروسه دون أن نظل أسرى له، والاحتفاظ بما يستحق البقاء طالما أننا نجعل من الأمس وطنا نرفض مغادرته.
ومن أكثر ما يؤلم الإنسان أن يدرك بعض الحقائق متأخرا؛ أن يعرف قيمة شخص بعد رحيله، أو يكتشف أنه أمضى سنوات في إرضاء الآخرين على حساب سلامه الداخلي. كم من قلب انتظر اعتذارا لن يأتي، أو تفسيرا لن يغيّر شيئا، حتى نسي أن له حقا في الراحة والبدء من جديد!
ومع ذلك، ليست كل تجربة مؤلمة نهاية للطريق؛ فقد تكون بداية لاستعادة التوازن. نتعلم أن التسامح لا يعني إعادة فتح الأبواب التي آذتنا، وأن الانسحاب قد يكون شجاعة، وأن ليس كل رحيل خسارة ولا كل بقاء مكسبا ؛ أسميها معادلة في الحياة يصعب تفكيك دالتها إلا بمحاولات كثيرة . كما نفهم أن النضج يُقاس بقدرتنا على التمييز بين ما يستحق اهتمامنا وما ينبغي أن نتركه يمضي.
وفي سعينا وراء النجاح، كثيرا ما نؤجل سعادتنا إلى حين بلوغ غاية جديدة، فنركض من حلم إلى آخر، وننسى أن الطموح، حين يفقد توازنه، يتحول إلى قيد يستنزف صاحبه. ليس في الحلم ما يستحق اللوم، فهو الذي يمنح الطريق معناه، لكن الخطر أن نربط سعادتنا بشروط لا تنتهي، وأن نؤجل عيشنا إلى مستقبل لا نملك ضماناته. لذلك، ربما كان علينا أن نتعلم فنّ العبور: أن نعمل دون أن نستعبد أنفسنا للعمل، وأن نحب دون أن نحول المحبة إلى امتلاك، وأن نحلم دون أن نقلل من قيمة ما تحقق. فالحياة لا تمنحنا دائما ما نريد، لكنها تتيح لنا أن نختار كيف نتعامل مع ما يحدث، وأن نصنع من التجربة القاسية وعيا، ومن الخيبة بداية، ومن النضج قدرة أكبر على فهم أنفسنا والآخرين.
وفي نهاية المطاف، لا يعود السؤال الأهم كم سنة عشنا، بل ماذا تركنا خلالها؟ هل كنا عونا أم عبئا؟ هل زرعنا المودةو المحبة؟ وهل منحنا من نحبهم ما يستحقونه من اهتمام، أم اكتفينا بوعود أجّلناها حتى فقدت معناها؟ إنها أسئلة تعيدنا إلى جوهر الحياة، حيث لا تقاس قيمة الإنسان في اعتقدي إلا بما تركه من أثر طيب في نفوس الآخرين.
لعلّ النجاة من متاهات الزمن لا تكون بالعثور على طريق خالٍ من العثرات، بل بأن نخرج من تجاربنا أكثر وعيا وأقل قسوة، نحمل من الماضي حكمته و ثمراته، ونستقبل المستقبل بأمل لا يفسده القلق. فالأعمار تمضي، والوجوه تتغير، وما يبقى حقا هو ما عشناه بصدق، وما منحناه بمحبة، وما تركناه خلفنا من أثر يستحق أن يُذكر بالخير.
- جواد العوالي / المغرب
@المتابعون
#مجتمع

1 مشاركة65 مشاهدة