قصتي مع المورمون
في نهاية شتاء عام 2016، أوقفني شابان قرب الجامعة في فرنسا. كانا يرتديان بدلتين سوداوين، ويتحدثان بأدب شديد. عرّفا بنفسيهما، وسألاني إن كنت أمانع التواصل معهما. وافقت، وأعطيتهما رقم هاتفي.
بعد عدة اتصالات، استقبلتهما . أوضحا أنهما مبشّران ينتميان إلى “كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة”، المعروفة بالمورمون. استمعت إلى حديثهما عن معتقداتهما وجوزيف سميث، ثم أهدياني نسخة من كتاب مورمون وانصرفا. لم أعد أردّ على مكالماتهما، وانقطع التواصل.
بعد أكثر من عام، وقد انتقلت إلى مدينة أخرى لمواصلة دراستي، اتصل بي شاب من الكنيسة نفسها. أخبرني بأنه حصل على رقمي من أحد المبشّرين اللذين زاراني، وذكر اسمه وموعد الزيارة. وحين علم بانتقالي، أحال رقمي إلى مبشّر في مدينتي الجديدة.
تكررت المكالمات والرسائل، حتى وافقت على زيارة أخرى. هذه المرة، بحثت عن تاريخ الكنيسة ومعتقداتها، ودوّنت بعض الأسئلة، ثم أعددت الشاي الأخضر والتمر، وانتظرت.
جاء الشاب برفقة زميل له. وبعد التعارف، دار بيننا نقاش أستعيد هنا مضمونه كما بقي في ذاكرتي.
سألتهما عن منع الرجال السود من أصول إفريقية من الترسيم في الكهنوت حتى عام 1978:
“لو التقيتكما قبل ذلك التاريخ، هل كنتما ستدعوانني إلى كنيسة لا تتيح لي ما تتيحه لكما؟”
أجاب أحدهما بأن الجميع متساوون أمام الله، لكنهما لا يعرفان تفسيرًا كاملًا لذلك المنع.
فسألتهما كيف أطمئن إلى سلطة دينية تطلب مني الثقة بتعاليمها، بينما يبقى قرار بهذه الأهمية في تاريخها بلا تفسير واضح.
انتقلنا إلى تعدد الزوجات الذي مارسه مؤسس الكنيسة وبعض أتباعه، ثم أنهت الكنيسة العمل به لاحقًا.
سألت: كيف يميّز شخص من خارجها بين أمر إلهي انتهى العمل به، واجتهاد بشري نُسب إلى الله؟
قال أحدهما إن الله قد يأمر بشيء في مرحلة، ثم ينهيه في أخرى. قلت إنني أفهم هذا التفسير، لكن سؤالي هو: كيف أتحقق من صحته؟
عاد الحديث إلى قراءة الكتاب والصلاة وطلب الهداية، فسألتهما:
“وإذا قرأت وصلّيت، ولم أقتنع؟”
أجاب أحدهما بأنني ربما أحتاج إلى مزيد من القراءة والصلاة. فقلت:
“لكن متى يصبح حكمي معتبرًا؟ هل حين أصل إلى النتيجة التي تؤمنان بها فقط؟”
لم أجد في إجاباتهما ما يحسم أسئلتي، لكن الحديث ظل هادئًا، وظلّا مهذبين.
وحين سألاني عن ديني، قلت إنني مسلم، وإن من يدعو الآخرين إلى مناقشة معتقداتهم ينبغي أن يكون مستعدًا لمناقشة معتقده أيضًا. فمن حقي أن أسألهما، كما من حقهما أن يسألاني، وما أعجز عن الإجابة عنه أحيلهما فيه إلى عالم دين.
دعوتهما إلى الإسلام، واقترحت أن أرافقهما إلى إمام المسجد لمواصلة الحوار. ثم تحدثنا قليلًا، واستأذنا في المغادرة.
لم يتصلا بعد ذلك. ولا أعرف إن كان السبب أسئلتي أو دعوتي إياهما إلى الإسلام، أم أن مهمتهما قادتهما إلى مكان آخر.
ما بقي في ذهني، إلى جانب النقاش، هو تنظيم عملهما: متابعة طويلة، وتواصل منتظم، واستمرار المهمة رغم تغيّر الأشخاص والمدن.
وحين أتأمل واقع الدعوة الإسلامية في بلادنا، أتساءل: ماذا لو وُجّه بعض الجهد المستنزَف في الخصومات والتجريح إلى تعليم الناس، والإجابة عن أسئلتهم، ومتابعة احتياجاتهم بصبر وحسن معاملة؟
في قرانا وضواحي مدننا، يحتاج كثيرون إلى معرفة تعينهم على فهم دينهم وشؤون حياتهم. وهذه مسؤولية تستحق منّا عناية أكبر من ملاحقة المخالفين وتبادل الاتهامات. فطلب العلم يفقد غايته حين ينفصل عن الأدب، وتضيق الدعوة حين تصبح حراسةً للانتماء الطائفي.
في مثابرة هذين الشابين وتنظيم عملهما ما يستحق التأمل، مهما اختلفنا مع معتقدهما. وحسن المعاملة يستحق التقدير، لكنه لا يُلزم بالاقتناع. أما حرية الدعوة فتكتمل بحرية السؤال، وبحق الإنسان في أن يقول بأدب ووضوح: “شكرًا، لم أقتنع”.
#خربشات
الصورة تعود إلى تلك الفترة.

1