المصفوفة الدينية في القرآن الكريم: كيف يُصنع الوعي؟
هل اختار الإنسان كل ما يؤمن به، أم أن بعض يقينه تشكّل قبل أن يمتلك القدرة على الاختيار؟
يولد المرء داخل عالم مكتمل الملامح؛ لغةٍ يتحدث بها، وقيمٍ يتعلمها، وأفكارٍ يتلقاها، ودينٍ يتعرف إليه من خلال أسرته ومجتمعه. وقبل أن تتشكل لديه الأسئلة، يكون قد تعلّم كثيرًا من الإجابات؛ يعرف ما ينبغي فعله وما ينبغي اجتنابه، وقد يمضي سنوات طويلة دون أن يتوقف ليتأمل مصادر هذه التصورات وحدودها.
من هنا يمكننا الحديث عما نسميه «المصفوفة الدينية»؛ أي الإطار الذي تتشكل داخله علاقة الإنسان بالدين، بما يضمّه من نصوص وتفسيرات وعادات اجتماعية وصور ذهنية موروثة. وهي ليست بالضرورة إطارًا زائفًا، ولا دليلًا على ضعف الإيمان، لكنها قد تصبح غير مرئية لصاحبها من فرط ألفته بها، فلا يعود يميّز بسهولة بين الدين كما تقرره نصوصه، وفهم الناس له، وما أضافته العادة حتى اكتسب مع الزمن هيئة المقدّس.
فالمشكلة ليست أن يرث الإنسان إيمانًا، بل أن يخلط بين ما ورثه وما أدرك حقيقته.
وليس كل ما نرثه باطلًا لمجرد أننا ورثناه؛ فالمعرفة تبدأ غالبًا بالتلقي، ولا يستطيع الإنسان أن يعيد اكتشاف كل شيء بنفسه. لكن ثمة فرقًا بين أن يتلقى المرء فكرةً ثم ينضج فهمه لها، وبين أن يتخذ من نشأته عليها دليلًا كافيًا لصحتها.
وقد عرض القرآن هذا النمط من التفكير في قوله تعالى:
﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾
[الزخرف: 22].
ويتضح موضع الإشكال في قوله تعالى:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾
[البقرة: 170].
فليس الاعتراض على التوارث في ذاته، وإنما على اتخاذه حجةً نهائية لا تحتاج إلى نظر. فشيوع الفكرة لا يثبت صحتها، وقِدمها لا يعفيها من الفحص، كما أن مخالفتها للمألوف لا تجعلها باطلة بالضرورة.
ومن هنا، لا يكون الإيمان الموروث نقيضًا للإيمان الواعي؛ فقد يبدأ الإنسان بما تلقّاه من أسرته، ثم يزداد فهمًا له بالقراءة والتأمل والسؤال. والعبرة ليست بمصدر البداية وحده، بل بما يفعله الإنسان بما ورثه: أيكتفي به لأنه ألفه، أم يسعى إلى فهمه ومعرفة ما يقوم عليه؟
وتظهر أهمية هذا التمييز حين تختلط النصوص الدينية بتفسيرات البشر والعادات الاجتماعية. فقد ينشأ المرء على تصور معين، ثم يعتاد نسبته إلى الدين حتى يعجز عن الفصل بينهما. وحين يواجه رأيًا مخالفًا، قد يظن أن الاختلاف معه اعتراض على الدين ذاته، مع أن الخلاف ربما يتعلق بتفسير بشري أو عرف قابل للنقاش.
وهكذا قد تتحول المصفوفة الدينية من إطار يساعد الإنسان على فهم إيمانه إلى عدسة يرى العالم من خلالها؛ فما ألفه يبدو صحيحًا، وما خالف بيئته يبدو مستنكرًا قبل النظر في حجته. وقد يظن أنه يدافع عن الدين، بينما هو يدافع عن الصورة التي استقرت في ذهنه عنه.
لكن مراجعة الموروث لا تعني رفضه جملةً، كما أن الاستقلال الفكري لا يعني الاستغناء عن العلماء والتراث أو جعل الرأي الشخصي مرجعًا لكل مسألة. إنما يبدأ الوعي حين يميّز الإنسان بين النص وفهمه، وبين الدليل والانطباع، ويكون مستعدًا لمراجعة تصوره إذا ظهر ما يستدعي ذلك.
ومن هنا تبرز قيمة التدبر، إذ يقول الله تعالى:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾
[محمد: 24].
فالقرآن يدعو إلى ألا يقف تلقيه عند حدود التلاوة، بل يمتد إلى التأمل في معانيه. والتدبر ليس أن يفرض كل إنسان انطباعه الخاص على النص، وإنما أن يسعى إلى فهمه مستعينًا بلغته وسياقه وتفسيره، متواضعًا أمام ما يعلم وما يجهل، ومستعدًا لتصحيح فهمه.
غير أن مراجعة الأفكار التي نشأ عليها الإنسان ليست سهلة دائمًا؛ فالأفكار لا ترتبط بالعقل وحده، بل بالانتماء والذكريات والعلاقات أيضًا. وقد يشعر المرء بأن مراجعة فكرة تلقّاها من أسرته تعني الطعن فيمن علّموه إياها، أو التخلي عن جزء من هويته.
وهنا ينبغي الفصل بين الفكرة وصاحبها؛ فاحترام من علّمونا لا يقتضي أن تكون جميع آرائهم صحيحة، والامتنان لهم لا يمنعنا من إعادة النظر فيما تلقيناه عنهم. يمكن للإنسان أن يقدّر ماضيه دون أن يجعل منه سلطةً تمنعه من الفهم.
وقد تبدأ هذه المراجعة بسؤال بسيط: لماذا أعتقد هذا؟ وما الدليل عليه؟ وهل أميّز بين ما يقوله النص وما استقر في بيئتي من تفسير له؟
قد تقوده الأسئلة إلى مزيد من اليقين بما يؤمن به، وقد تكشف له خلطًا يحتاج إلى تصحيح. وفي الحالتين، ليست قيمة السؤال في أنه يقود إلى نتيجة محددة سلفًا، بل في أنه ينقل الإنسان من الاكتفاء بما تلقّاه إلى تحمّل مسؤولية فهمه.
فالسؤال الصادق ليس رفضًا بالضرورة، كما أن اليقين لا يُقاس بغياب الأسئلة. وليس كل ما اعتاده الإنسان خاليًا من المعنى؛ فقد تجتمع العادة والوعي في العبادة الواحدة، وقد يكون وراء الممارسة المألوفة إيمان عميق لا نراه. لذلك لا يصح الحكم على إيمان الناس من مظاهرهم وحدها، ولا افتراض أن كثرة المعلومات تكفي وحدها لصناعة البصيرة.
يقول الله تعالى:
﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾
[يوسف: 108].
والبصيرة تذكير بأهمية الوعي والحجة في طريق الإيمان؛ فلا يكون الإنسان مجرد صدى لما حوله، بل يسعى إلى فهم ما يؤمن به بحسب استطاعته، دون أن يجعل ألفته بفكرة دليلًا على صحتها، أو اختلافه مع غيره سببًا كافيًا لرفض قوله.
إن التحرر من المصفوفة الدينية، بهذا المعنى، ليس تحررًا من الدين، ولا دعوة إلى هدم الموروث، بل هو محاولة للتمييز بين الدين وفهم البشر له، وبين الاقتناع والتكرار، وبين احترام التراث وتحويله إلى سلطة لا تُراجع. وقد يصل الإنسان بعد رحلته إلى النتيجة نفسها التي ورثها، لكن الفرق أنه لم يعد يؤمن بها لمجرد أنها مألوفة؛ بل أصبح أقدر على فهم أسباب إيمانه بها.
فليس النضج أن يشك المرء في كل شيء، ولا أن يسلّم بكل شيء، وإنما أن يعرف متى يسأل، وكيف يبحث، ومتى يعترف بأنه لا يعلم.
وربما كان السؤال الأجدر بأن يصطحبه الإنسان في رحلته مع الإيمان ليس: هل ورثت ما أؤمن به؟ فكل إنسان تقريبًا يبدأ من أشياء لم يخترها، وإنما: هل اكتفيت بما ورثت، أم سعيت إلى فهمه؟
فالتلقي بداية الطريق، لا الطريق كله؛ وما يرثه الإنسان قد يكون أساسًا ينطلق منه، لكنه لا يغني عن السعي إلى البصيرة.
فالإيمان الذي يبدأ في بيئة الإنسان يمكن أن ينضج في وعيه؛ وما يرثه المرء قد يكون بداية بصيرته، لا بديلًا عنها.
#شمس #مجتمع #لآلئ_اليوم @المتابعون

48 مشاهدة