قصة للنوم
قصة للنوم
ابنتي الكبرى تحب القصص، لذا يتطلب الأمر أن أحض ذاكرتي على الاحتفاظ بكل قصة شاردة أو حكاية واردة، وأن أقرأ قصصاً جديدة وأذاكرها وأن أكون قادراً على اختلاق القصص أحياناً.
حبتني بارتماءة على صدري وأرخت سدولها تطلب قصتها لقبل النوم، فقلت لها استعدِّي ، سأحكي لك مناماً رأيته قبل يومين، فأومأت موافقة.
رأيت فيما يرى النائم أنني قد مت، وأنني كنت قادراً وأنا ميت على استشراف عالمكم و رؤيتكم وعلى أن أراقبكم وأنتم تواصلون حياتكم من بعدي، دون أن أكون قادراً على التدخل وتغيير أي شيء أو إبداء الرأي.
رأيت الكثير، ثم جاءني بعد حين هاتف يخيرني بين أن أظل هكذا أراقبكم بفضول، أو أن أذهب لأتعرف على مصيري هناك في محكمة الخلود..
طلبت أن أمهل عدة أيام لأحدد خياري، ثم تركتكم جميعاً وأخدت أراقب ابني الأكبر، رأيته يومها يحمل أوراقاً وقلماً ثم اختلى بنفسه يريد أن يكتب شيئا..
كتب في أعلى الصفحة (حكايتي مع أبي) ثم شطبها ليكتب (أبي رحمه الله هل عرفته حقآ؟) ثم شطب وكتب (هل مات والدي قبل أوانه) ثم شطب وكتب عدة مرات، ثم استقر أخيراً على : (أبي).
ثم كتب : توفي والدي حوالي الساعة العاشرة مساء من يوم الخميس الموافق كذا وكذا، إثر ضربة كهرباء، عندما كان يستخدم المكواة دون أن ينتبه إلى ذلك الجزء العاري من السلك فلمسه بيده فصعق صعقة قوية فارق الحياة على إثرها، وجدناه في الصباح مستلقياً وقد أكمل كي جلبابه الأبيض الوحيد الذي يرتديه للذهاب الى صلاة الجمعة، وبدأ في كي الزي القطني الأزرق الذي كان سيرتديه للعمل يوم السبت..
ثم لم يكمل هذه الكتابة أبداً، راقبته بفضول و رجوتُ أن يجلس يوماً ويكمل ما بدأه، لكنه لم يفعل، بل أخذ الورقة التي كتب عليها ووضعها في خزانة ملابسه..
بعد أن أصبت بخيبة أمل كبيرة جاء ذلك اليوم ودخلت والدتك تنظف غرفته وترتبها وتقوم بنفض الدولاب والخزانات وإعادة ترتيبها، فوجدت الورقة، قرأتها بحنان عظيم، سكبت بعض الدموع واخفتها عنكم، ثم طلبت منه أن يكمل الكتابة، فقال لها لا، لقد اكتفيت..
- لم لا؟ هذه كتابة رائعة وسيكون جيداً لو واصلت فيها..
لم يوافق، فلم تضغط عليه أكثر، ثم لما اختلى بنفسه و أوراقه مرة أخرى كتب:
تريد مني أمي أن أواصل الكتابة عن أبي، تريد أن تطمئن على أن مشاعري الجيدة تجاهه تتغلب الآن على مشاعري السيئة التي تسبب فيها بشدته علىّ وصراخه أحياناً في وجهي وعدم تقبله لأخطائي ونقاط ضعفي..
وأنا أريد أن أكتفي بما كتبته سابقاً لأن ما كتبته أغناني عن بقية التفاصيل.. مات والدي وهو يجهز جلبابا لصلاة الجمعة فهو إذن رجل كان يعرف ربه، ومات وهو يجهز نفسه للعمل فهو إذن رجل كان يقوم بما عليه من أجل لقمة عيشنا و مسؤوليتنا، فماذا يمكنني أن أطلب منه أكثر من ذلك؟
إنني أفخر به وأغفر له واسامحه، رحمه الله..
شعرت لحظتها أن ثقل السماوات والأرض قد انزاح عن صدري، وعرفت حينها أنني سأختار الذهاب الى محكمة الخلود خفيفاً مطمئناً..
ثم، تعثرت بوجهها الذي ارتخى فوق خدي، فقد نامت وهي تستمع إلى الحكاية، واستيقظت وهي تجادلني في حلمي، تقول أنها رأتني في المنام أحكي لها حكاية موتي.. #مجتمع #أدب #لآلئ_اليوم
6