مأساة منسيّة
الإنسان السوداني يعيش مأساته وحيداً تقريباً. أرجو الانتباه، هذه ليست شكوى أو (عرضحال)، إنما هي قراءة عاديّة لواقع الحال، لستُ حريصاً على أن يتأثّر بها أحد أو أن يتخذ موقفاً مختلفاً بعدها..
الإنسان السوداني، ظل يكابدُ منذ فترة طويلة ويعاني مشكلة مزمنة من اللا استقرار واللايقين. لكنه منذ ال15 من شهر إبريل عام 2023 وحتى اليوم يعيش مأساة إنسانيّة كبرى، لعلها المأساة الأكبر على مستوى العالم اليوم، فقد وجد نفسه في أتون حربٍ عنيفة لا يبدو في الأفق القريب ما يشير إلى نهايتها.. حربٍ لم تكتفِ بتمزيق النسيج المجتمعي وتدمير المدن والقرى وإنما دفعت ملايين الناس إلى مغادرة بيوتهم ومصادر رزقهم وأماكن استقرارهم ووضعتهم أمام خيارات قاسية لا يكاد أحدها يخلو من الألم.
ملايين النازحين واللاجئين، عائلات تفرّقت، أطفال انقطعوا عن التعليم مرضى فقدوا حقهم في العلاج، وملايين آخرون يكابدون الجوع والفقر والخوف في بلدٍ كانت بنيته الاقتصادية والخدمية تعاني أصلاً من اختلالات مزمنة.
لكن إلى جانب فداحة المأساة فإن ما يحضرني هو حضورها الباهت في الضمير الإنساني العالمي، وهذا التفاوت المدهش بين حجم الكارثة وما تحظى به من اهتمام وبين عدد الذين طحنتهم و تطحنهم هذه الحرب ومقدار ما تشكِّله من حضور في قلوب الناس حول العالم.
والله إنه لأمر مؤسف أن يُضاف إنسانٌ يمر بكل هذه المعاناة إلى قائمة المنسيين وكأنّ معاناته ليست خبراً يستحق المتابعة أو مأساة تستدعي استنفاراً إنسانياً يتناسب مع حجمها.
هذه العزلة المضاعفة، عزلة الحرب وعزلة الشعور بأن العالم اعتاد مشاهدتها أو لم يعد يجد فيها ما يستحق التوقف طويلاً هي عزلة قاسية لم يسلم منها أحد، حتى الذين نجوا بأرواحهم ولجأوا إلى بلدان أخرى لم يستطيعوا أن ينجوا من آثارها فقد حملوا معهم قلقهم على أهلٍ تركوهم خلفهم وعلى بيوت لم يعودوا يعرفون مصيرها وعلى وطنٍ لا يعرفون متى يمكن أن يعودوا إليه.
لا أكتب هذا طلباً للتعاطف بالطبع ولا أظن أن العالم مدين لنا بمشاعر استثنائية ما.. ولكنني أخاطب ضمير أخي الإنسان في كل مكان، وأكتب هذه الكلمات على جدر الوقت، فتاريخ هذه المأساة يُكتب الآن وهي مأساة ستنتهي مهما طالت، وحينها لا نتمنى أن نتذكر صمت الأحباب ولكننا نحب أن نستذكر مواقفهم وكلماتهم ودعواتهم.. #مجتمع_عام

15





