لماذا يسمّي الأب طفله؟
قد يبدو اختيار اسم الطفل قرارًا بسيطًا ، لحظاتٍ من البحث والمشاورة ، ثم كلمة تُكتب في شهادة الميلاد وترافق صاحبها طوال حياته .
لكن خلف هذا القرار حكايةٌ أعمق مما نتصور ؛ فالأب حين يسمّي طفله لا يختار حروفًا فحسب ، بل يختار أحيانًا ذكرى يريد أن يُبقيها حيّة ، أو أملًا يتمنى أن يراه متجسّدًا ، أو حلمًا عجز عن تحقيقه في حياته فيرجو أن يحققه ابنه .
فلماذا يختار أبٌ اسم أبيه لابنه ؟ أهو الوفاء لرجلٍ ترك في قلبه أثرًا لا يمحوه الزمن ، أم محاولة لاستبقاء شيءٍ منه في بيتٍ غادره صاحبه ؟
ولماذا يختار آخر اسمًا يدل على الشجاعة أو العزّة أو الحكمة ؟ أيريد أن يزرع في الاسم أمنيةً ترافق الطفل ، أم يستحضر صورة الإنسان الذي يرجو أن يكونه ابنه حين يكبر ؟ .
وثمة أبٌ يسمّي طفله اسمًا ارتبط بانتصارٍ أو مرحلةٍ فارقة في حياته ، وآخر يختار اسمًا دينيًّا يحمل معنى الإيمان والصلاح ، وثالث يختار اسمًا أحبّه منذ صغره ، وظلّ ينتظر اليوم الذي يمنحه فيه لطفله .
وقد يكون الاسم في بعض البيوت امتدادًا للعائلة ، وفي بيوت أخرى بدايةً مختلفة ، يعلن بها الأب رغبته في أن يفتح لابنه طريقًا لا يشبه بالضرورة طريق من سبقوه .
ولعلّ أعمق ما في المسألة أنّ الأب يسمّي طفلًا لم يعرف بعدُ ملامح شخصيته ، ولم يسمع صوته وهو يناقش ، ولم يرَ أحلامه وهي تتشكّل ، يمنحه اسمًا قبل أن يعرف مَن سيكون ، كأنّه يضع أول كلمة في حكاية لم تُكتب فصولها بعد .
لكن هل يصنع الاسم صاحبه ؟ أم أنّ صاحبه هو الذي يمنح الاسم قيمته ؟ كم من إنسانٍ حمل اسمًا عظيمًا ولم يحمل من صفات صاحبه شيئًا ، وكم من إنسانٍ رفع اسمًا عاديًّا بأفعاله حتى صار اسمه وحده كافيًا للدلالة عليه ؟!
إنّ الاسم قد يكون أمنية الأب ، لكن الحياة حقّ الابن ؛ ومن الحكمة أن يختار الأب اسمًا يحبّه ويعتزّ به ، دون أن يجعل منه قيدًا يطالب طفله بأن يعيش على صورة شخصٍ آخر .
فالأب لا يمنح طفله اسمًا فحسب ، بل يضعه في بداية الطريق ؛ أمّا ما سيصنعه الطفل بهذا الاسم ، فذلك فصلٌ آخر لا يكتبه الأب وحده .
فهل يسمّي الأب طفله ليمنحه اسمًا يعيش به ، أم ليمنح ذكرى أو حلمَ حياةٍ أخرى من خلاله؟
#فهد
4 مشاهدة