نَبْضُ العَبِيرِ وَالزَّمَن
مَا أَحْلَى ارْتِحَالَنَا فِي دُرُوبِ السَّرَابِ؛ نَسْجُجُ مِنَ الشَّوْقِ قِلَادَةً نُعَلِّقُهَا فِي جِيدِ الخَالِدِينَ، نَظُنُّ أَنَّ الأَبَدِيَّةَ تُسْتَضَاءُ بِحَبْسِ الشَّمْسِ فِي مَحَارَاتِ النَّظَر، وَأَنَّ الأَيَّامَ تَبْقَى طَوِيَّةً رَهْنَةً لِإِشَارَةِ العُيُون.
لَكِنَّ العِشْقَ الحَقِيقِيَّ لِلْوُجُودِ لَا يُقَاسُ بِسِرْمَدِيَّةِ البَقَاءِ، بَلْ بِمَا يَخْتَفِرُهُ القَلْبُ مِنْ سِعَةِ النُّور. العِطْرُ لَا يَسْكُنُ الرُّوحَ إِلاَّ حِينَ يَنْثُرُ ذَاتَهُ هَبَاءً طَيِّبًا فِي الرِّيَاح، وَالنَّجْمَةُ لَا تُضِيءُ العَتَمَةَ إِلاَّ حِينَ تُبْحِرُ فِي عُمْقِ الفِنَاءِ شِهَابًا بَاهِرًا. إِنَّ سِحْرَ الكَوْنِ يَتجَلَّى فِي هَذَا الرَّقْصِ المُقَدَّسِ بَيْنَ البَدْءِ وَالاِمْتِحَاقِ، حَيْثُ تَنْتَشِرُ الأَرْوَاحُ كَأَجْنِحَةٍ بَيْضَاءَ تَعْبُرُ حُدُودَ المَدَى.
نَحْنُ لَا نَفْقِدُ النُّورَ حِينَ تَفْلِتُ خُيُوطُهُ مِنْ بَيْنَ أَنَامِلِنَا، بَلْ حِينَ تَغْفُلُ بَصَائِرُنَا عَنْ تَمَوُّجَاتِ بَهَائِهِ. فَالْوِصَالُ الْأَسْمَى لَيْسَ غُلًّا يُقَيِّدُ الخُطَى فِي قَفَصِ الذِّكْرَى، بَلْ هُوَ طُمَأْنِينَةٌ شَفَّافَةٌ تَتْرُكُ الخَطْوَ هَادِئًا، لِيَغْدُوَ كُلُّ أَفُولٍ فَجْرًا يَتَنَفَّسُ فِي سَمَاءٍ أَبْهَى.
#مجتمع#أدب#معرفة#قصيد#شعر#فلسفة#ثقافة
5 مشاهدة