زاد الشجون
حين رحل محمد الأمين، شعرتُ أن شيئًا من السودان الذي عرفته قد انطفأ معه. كان صوته جزءًا من أيامنا، نحفظ فيه وجوه الأصدقاء وملامح مدينة احتضنتنا، ونحن نظن أن الحياة ما زالت تمنحنا متسعًا للأحلام.
كلما سمعت “زاد الشجون”، عدتُ إلى الخرطوم، إلى جامعة بحري وكلية الهندسة؛ إلى المحاضرات والرسومات والضحكات الطويلة، ومعسكرات الصحافة، محطة سبعة، ومشاوير الكدرو. كنا نحمل دفاترنا وأحلامنا، ولا نعرف أن تلك التفاصيل العادية ستصبح يومًا من أثمن ما نملك.
“ماهو باين في العيون
وين حنهرب منو وين”
كانت الخرطوم، كما عشتُها، بيتًا واسعًا. فيها أصدقاء وألفة وموسيقى تتسلل من المقاهي والحافلات. وبين الدراسة ومشاغل الحياة، نشأت علاقتنا بالسودان؛ علاقة تجاوزت سنوات الجامعة، وصارت جزءًا من تكويننا.
ثم جاءت الحرب، فصار الحنين مشوبًا بالخوف على الناس والأماكن. بات اسم شارع أو صورة قديمة يستدعيان أسئلة موجعة: ماذا بقي هناك؟ وأين صار الأصدقاء؟ وهل ما زال البيت الذي عرفناه قائمًا؟
لهذا تؤلمني أغاني محمد الأمين وتؤنسني في الوقت نفسه. تعيد إليّ السودان الذي أحببته، وتمنحني لحظات ألتقي فيها بما باعدت بيننا وبينه السنوات والحرب.
لم يكن السودان مجرد بلد درستُ فيه. هناك عشنا عمرًا يستحق أن يُروى، وتركنا جزءًا منا بين الجامعة والأصدقاء وشوارع الخرطوم.
رحم الله محمد الأمين، وحفظ أهل السودان، وأعاد إلى بيوتهم الأمان؛ لعلنا نلتقي يومًا، ونسمع “زاد الشجون” معًا، دون أن يغلبنا وجع الغياب.
#خربشات

15