أزمة الضمير عند يورغن هابرماس
رحل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس في 14 مارس 2026، عن 96 عامًا، تاركًا إرثًا فكريًا كبيرًا وسؤالًا يصعب تجاوزه: كيف يدافع الفيلسوف عن كرامة الإنسان بوصفها مبدأً كونيًا، ثم يتعثّر في تطبيقه؟
كان هابرماس أبرز ممثلي الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت. وفي مواجهة نقد هوركهايمر وأدورنو لتحوّل العقل إلى أداة للهيمنة، راهن على قدرته على بناء التفاهم. وجعل الحوار الحر وتبادل الحجج أساسًا لمشروعه في الأخلاق والديمقراطية، بحيث يشارك المعنيون في مناقشة القواعد التي تحكم حياتهم.
لكن هذا المشروع واجه امتحانًا مؤلمًا في غزة.
في نوفمبر 2023، وقّع هابرماس مع ثلاثة أكاديميين ألمان بيان “مبادئ التضامن”، مؤكدًا التضامن مع إسرائيل وحماية اليهود من معاداة السامية، في ضوء المسؤولية التاريخية الألمانية عن الجرائم النازية. أشار البيان إلى معاناة الفلسطينيين وضرورة تجنّب سقوط المدنيين، لكنه اعتبر الرد العسكري الإسرائيلي مبرّرًا من حيث المبدأ، ورفض إسناد نيات إبادة إلى أفعال إسرائيل.
لهذا، وجّه إليه منتقدوه سؤالًا من صميم فلسفته: أين المساواة في الكرامة حين يتعلق الأمر بالفلسطينيين؟
المسؤولية عن الماضي تستدعي حساسيةً أكبر تجاه معاناة البشر جميعًا. وحماية اليهود من الكراهية واجب، مثلما أن حماية الفلسطينيين من القتل والتهجير واجب. لا تنتقص إحداهما من الأخرى، ولا تمنح ذاكرةُ جريمةٍ حصانةً من مساءلة جرائم الحاضر.
هنا تكمن أزمة الضمير: حين تصبح الذاكرة الوطنية أقدر على توجيه الحكم الأخلاقي من المبادئ التي يعلنها صاحبها. عندئذٍ يظل الإنسان حاضرًا في النظرية، بينما تتفاوت قيمة آلام البشر في الموقف السياسي.
لا يُختزل إرث هابرماس في بيان، لكن مكانته الفكرية تجعل مساءلته ضرورية. فالمفكر الذي يطالب الناس بإخضاع قناعاتهم للنقد، تظل مواقفه خاضعةً للمطلب نفسه.
رحل هابرماس، وبقي السؤال الذي يتجاوز شخصه: ما قيمة الدفاع عن كرامة الإنسان إذا ضعفت قدرتنا على رؤيتها لدى من يقفون خارج حدود ذاكرتنا وانتمائنا؟
حتى الفلاسفة لا تعفيهم كتبهم من امتحان المبادئ.
📷 صورة تجمع ثلاثة من أبرز رموز مدرسة فرانكفورت: ماكس هوركهايمر في المقدمة يسارًا، وثيودور أدورنو يمينًا، ويورغن هابرماس في الخلفية يمينًا، واضعًا يده على شعره. التقطها جيريمي ج. شابيرو في هايدلبرغ، في أبريل 1964.
#خربشات

5