« ضاعَ ذَلكَ الدّفء »
كيف تغيّر معنى الانتماء دون أن نشعر؛ لم يعد بيتا دافئا أو حيا نحفظ أزقته، وإنما صار مساحة باردة تمتد داخل شاشة، قبيلة بلا ملامح تجمعنا ولا تعرفنا. نمرّ عبر بعضنا كإشعارات عابرة، نبتسم لصور لا نعيشها، ونواسي بكلماتٍ لا تمسّ الجرح، كأننا فقدنا القدرة على أن نكون حقيقيين حتى مع أنفسنا.
في هذا العالم الرقمي، يبحث الإنسان عن صوته في صدى صوته، يقف داخل عزلةٍ مزدحمة، يكلّم ذاته ولا يسمع إلا ارتداده. أيّ وحدةٍ هذه التي تأتي في هيئة حضور؟ ربما لم نختر هذا العالم حبا فيه، ولكن تعبنا من واقع ضاق بنا، فآثرنا نسخة تخفف عنا أعباء الحياة، لا تؤلم كثيرا.
ومع كل خطوةٍ نبتعد فيها، ينكسر فينا شيءٌ خفيّ، كخيطٍ كان يربطنا بالآخرين، بالأيدي التي كانت تُمسكنا حين نسقط، بالأصوات التي كانت تنادينا بصدق. صارت الأسرة فكرة مؤجلة، واللقاء ذكرى، والحوار رسالة عابرة؛ لم نعد نتواصل، بل نكتفي بالاتصال، وبينهما ضاع ذلك الدفء الذي كان يمنح للكلمات روحها.
أخشى أن نصبح مجرد بياناتٍ محفوظة في ذاكرةٍ لا تشعر، أن نتحول إلى أرقامٍ تُقاس وتُستثمر، وأن نفقد تلك الرجفة الصادقة حين ينادينا أحدٌ باسمنا بمحبة. ومع ذلك، لا يزال في الداخل شيءٌ يقاوم، شيءٌ يحنّ إلى البساطة، إلى لقاءٍ بلا وسيط، إلى إنسان يرى إنسانا لا صورة له.
@المتابعون
#مجتمع #ثقافة

69 مشاهدة