«تأملات في زمن الانصهار»
في غفلة من الزمن صرنا نشبه صورا لا تعرف الانطفاء، نبضا يترجم إلى شفرة، وظلالا تتسكع على أرصفة الضوء الاصطناعي . لم نعد نمشي بأقدامنا كما اعتدنا، وإنما نزحف بين أسلاك متشابكة ونطل من خلف شاشات لا تعرف النوم، نحاور الوجود بصمت رقمي، ونبتسم في وجه الفراغ.
أنا ذلك الطفل الذي كان يركض حافيا فوق طين القرية، يحتمي من شمس الصيف تحت ظل التين، ويعد العصافير الهاربة من سطوة المقلاع . طفل لم يكن يعرف ما معنى كلمة اتصال، إلا حين تلامس يد أمه جبهته بعد السقوط.
الإنسان الرقمي كائن هجين، لا ينام ولا يستيقظ ، يعيش في حيز معلق بين الواقع والوهم، يتغذى على تحديثات متواصلة، لكنه ينهار بصمت داخلي. تتسع ذاكرته الظاهرة وتضيق روحه كل لحظة فيه محفوظة، مؤرشفة، مصنفة، لكنه ينسى أن يحتفظ بأبسط الأشياء رائحة المطر ، بحة الصوت في أول صباح، رجفة القلب حين يقال له اشتقت إليك.
في هذا الزمن، الحضارة لا تُبنى من لبنات الطين أو أحجار ، تبنى من شيفرات صماء. مدينة بلا أبواب، وبيوت بلا نوافذ، وأصدقاء يُشبهون الحروف أكثر مما يُشبهون البشر. حتى الكلمة لم تعد تقال لتلامس، تُرسل لتقرأ بلا عيون بلا روح، بلا رعشة تقاوم الفقد.
هل هذا هو المجد الذي حلم به الإنسان؟
أخشى أن نستيقظ يوما ولا نجد لنا في المرآة وجها، غير أيقونة رمادية تخبرنا أننا أوفلاين.
@المتابعون
#مجتمع
#ثقافة
#فلسفة

29