الموت الوسيم
جلستُ و قد حجّت عيناي إلى حسك نار مسالمة في موقد جدّتي القديم، كانت نفسي أبرد من أن تدفّئها نار وديعة كنار الموقد، و كان تفكيري يضيء المكان باشتعاله، و يملأ عليّ دواخلي بصخب لا مكان فيه لذرّة هدوء.
دخل عليّ رجل وسيم بشوش و قد حمل ريشة بيده اليمنى، و خبّأ اليسرى خلف ظهره كمن يفعل من يريد أن يتناول شيئا. كان وسيما جدّا إلى غاية الطّهارة، بشوشا كأنّه خلق من ضحك.
مشيته غماميّة الوقع، إذ لم أشعر بها، و دخلته سحابيّة النّفع، إذ لم أفجأ بها، تتبعه حمامة بيضاء كما يتبع طفل أباه و قد سبقه في الخطو.
و الغريب أنّي لم أحدّثه، فلم أستقبله و لم أطرده، و لم أسأله حتّى من يكون، فقد ملأت عليّ هيبته جلابيب روحي و تلابيب نفسي، فلم يكن منّي تجاهه إلّا الدّهشة.
كان صوت جدّتي في الحوش مزال مسموعا و هي تكنس فناءه، استغربت كيف لم تره، حتّى قفز إليّ سؤال بريء في ذهني:" ألم تره و هو يعبر الحوش؟"
مزال يمشي إليّ بوسامته و خطواته المهيبة، حتّى استحالت حالته من عاديّة إلى عجيبة. لم أنتبه لكأس الزّيت الّتي أشعلْتُ منها الموقد آنفا و قد ضربتها بساقي دون أشعر حتّى التهب المكان.
تفقّدت نفسي، فإذا بكانوننا العتيق يحترق، صرخت و لم تكن من عادتي أن أصرخ بهذا الجبن، لا، لم يكن جبنا، بل ذعرا كبيرا.
حاولت أن أفعل شيئا، حتّى سقطت نظراتي على جدّتي و قد وقع على رأسها حجر أماميّ من أحجار الكانون، فأودى بحياتها.
هل ماتت جدّتي؟ هل ماتت؟ جدّتي تموت أمام عينيّ و قد كانت في تمام صحّتها و غزير بركتها؟ بحثت عن ذلك الوسيم لأنزل عليه جحيم عقابي قبل تفقّدها، فلم أجده.
رفعت جثمانها إليّ، كانت ضاحكة رغم قطرات دم على جبينها، و هَدَتْني هالة خرجت منها أنّه كان يبحث عنها. نعم، لم يكن الرّجل الوسيم الضّاحك إلّا الخاتمة الحسناء لجدّتي، الخاتمة الفردوسيّة الّتي لم أصل بعد إلى أن أستحقّها.
نعم لقد كانت "شيماء" جدّتي، و ذلك الرّجل كان "الموت".
#مجتمع
9 مشاهدة