قيود الظّلّ
لم يكن ظلّه مجرّد تابع يقوده الضّوء، بل روحا أخرى تسافر متى تشاء، و إلى أين تشاء، و لم يكن قلبه مجرّد مضغة يضمّها الصّدر، بل كان وعاء لم ترسم حدوده مشاعر، و لم تُبِنْ قراره حكمة، فأيّ وعاء؟!
ظنّ نفسه بعد استيقاظه ملاكا خلق من حريّة، و أيقن للحظات حقيقته الكونيّة، و شعر في قلبه قطرات من الهويّة، نعم صار قلبه ينبوعا تدفّق منه سيرته، و صارت الأرض تحته بساطا من ورد عليه بنت شقراء تغنّي:" طوبى لكم، طوبى لكم، صار وجهه مرآة لكم".
و ظلّ يسأل متعجّبا أيّ عنفوان؟ و أيّ خفّة؟ كأنّ في فمه من اللّهيب ما يكفي لتقبيل الشّمس دون أيّ رجفة، و في صدره من الثّلج ما يكفي لتذويب السّماء دون لهفة، و تفتّحت من أظافره الصّنائع كأنّها أزهار، و تفتّقت راحة كفّيه بالرّحمات كأنّها أثمار.
شعر من نفسه أنّه يعرف العالم كلّه، و يميز الحقّ من الباطل فيه و يعرف حرامه و حلّه، و أيقن أنّه أدرك سرّ الملّة، أهذا كلّه لأنّه استيقظ و لم يجد ظلّه؟
لكنّه لمّا همّ لسعادته حال دونه جموده، و لمّا بحث عن أسبابه أسره غموضه، فهتف به هاتف الضّحى:" استعد يا مهموم ظلّك، فليس للكمال في دنياك إلّا صورة جامدة، أو حكاية مثمرة واعدة، و ليس لك من حقيقة كونك إلّا أن تربط بظلّ أسود يسرق منك نصف حقيقتك.
زكريّاء باب الشّيخ
#خواطر #شعر #مجتمع #لأهديكم_إليه

2 مشاهدة





