« لم يعد الآخر إنسانا ! »
منذ آلاف السنين، وقف الإنسان على أطراف الصحراء والتاريخ، يحدّق في الأفق بحثًا عن وسيلة تقيه قسوة الطبيعة، وتعصمه من عثرات الحياة. لم يكن بعدُ فيلسوفا أو شاعرا، بل كان صانعا، يجرّب ويبتكر، يحفر في الصخر ويشعل النار من حجرين. كانت يداه أولى أدواته، ثم سرعان ما لحق العقل ليساعد اليد، حتى غدت الفكرة نفسها أداة تُصنع وتُوظف.
لكن مع مرور الزمن، تغيّرت حاجات الإنسان. لم يعد يبحث فقط عن أدوات تعينه في الزراعة أو الحرب، بل بدأ يسعى لاختراع أدوات تُفكر عنه. آلات تقتفي خطى الذهن، تتعلّم من تجاربه، وتسبقه أحيانًا إلى الحل. في البدء، كان هذا خيالًا، وهما في رؤوس الفلاسفة والمخترعين. أما اليوم، فقد صار حقيقة.
ظهر الذكاء الاصطناعي، لا ليحسّن من قدرات الإنسان فقط، بل ليتولّى عنه شيئًا من مهماته الذهنية. وأمام هذا التطور، بدأ سؤال خافت يتردد في الأذهان، ثم اشتدّ صداه:هل أصبح الذكاء الاصطناعي عقلنا البديل؟
أم أننا، بكل بساطة، نتنازل طوعا عن هذا الامتياز البشري الخالص لصالح خوارزميات لا تحس ولا تشعر؟
في مسار التأمل هذا، يتوقف المرء عند فكرة التفكير بالوكالة. لقد عبّر الفيلسوف إيمانويل كانت يوما عن رفضه لهذا الاتكال العقلي، حين رأى أن التنوير الحقيقي لا يأتي إلا بالخروج من حالة القصور، حيث يرضى الإنسان بأن يُفكر عنه الآخرون. اليوم، لم يعد الآخر إنسانا، بل آلة. لم نعد نسلّم عقولنا إلى عالم أو مثقف أو تقليد، وإنما إلى شيء لا يملك روحا، ولا ضميرا، ولا يحس بثقل القرار.
(...) يتبع
@المتابعون
#مجتمع
#ثقافة
#فلسفة

55 مشاهدة