أثر التجارب الجديدة في إعادة تشكيل الذات وفهمها
يخوض الإنسان حيواته وهو يحمل في روعه تصوّرًا عن ذاته؛ يظنّه القول الفصل واليقين المحض. يعتقد أنه يعرف مواطن إبداعه ومكامن خوفه، ويسبغ على شخصيته صفاتٍ يحسبها ثابتة لا تتبدل. غير أن هذا التصوّر''مهما بدا راسخًا''يظل رهينًا بما خبره المرء حتى لحظته تلك. وما إن يواجه تجربةً جديدة، حتى ينجلي له من خبايا نفسه ما كان عنه غافلاً، أو يجد رُوحه وقد طرأ عليها تحوّلٌ أصيل. وهنا تبزغ إشكاليةٌ تتجاوز مجرد "معرفة الذات": هل تقتصر التجارب على كشف حقائق كامنة في أطواء نفوسنا، أم أنها تساهم بالأساس في خلق وتشكيل الحقائق التي نسعى لاكتشافها؟ وإذا كان وعينا بأنفسنا يرتسم بفرشاة ما نعيشه، فكيف السبيل للفصل بين "ذاتٍ" كانت مسبوقةً بالوجود، و"ذاتٍ" صنعتها المحكّات والمعاناة؟
قبل خوض غمار التجارب، يصوغ الإنسان أحكامه على نفسه استنادًا إلى مواقف سابقة محدودة، ثم يتعامل معها بوصفها شفراتٍ جينية نهائية. فمن لم يُلقَ في أتون المسؤوليات الجسام قد يوقن بعجزه عن حملها، ومن لم يخض معترك الخلافات الحقيقية قد يتوهم في نفسه تسامحًا مطلقًا، ومن لم يباغته الخوف في لحظة فارقة لن يدرك كنه تصرفه حتى يقع في قلب العاصفة. تتيح التجربة هنا تعرية القصور في المعرفة القائمة على الافتراض المجرد؛ فليست كل انطباعاتنا عن أنفسنا يقينًا لا يتطرق إليه الشك، وبعض الخصال لا تدبّ فيها الحياة إلا حين تستفزها الظروف. وهذا ما يتطابق مع الدعوة السقراطية الخالدة إلى "فحص النفس" ومساءلة المسلّمات؛ إذ تبدأ المعرفة الحقيقية لحظة كفّنا عن معاملة انطباعاتنا الذهنية كحقائق منزهة عن المراجعة.
غير أن الأمر يتعدى السطح حين لا تكتفي التجربة بإماطة اللثام عن صفة موؤودة، بل تتعداها لتكون رحمًا تُولد فيه تلك الصفة. لنستحضر مثال شخصٍ ألف الانكفاء والصمت، وصم نفسه بضعف الشخصية والعجز عن الذود عن رأيه. فجأة، تضطره الأقدار لموقف يتوجب عليه فيه نصرة مظلوم؛ فيتكلم بالحق رغماً عن رعدة خوفه، ويستبسل في موقفه أمام الضغوط. قد يعزو هذا الشخص سلوكه لاحقًا إلى أنه "اكتشف شجاعته الدفينة"، بيد أن هذا التفسير لا يستوعب المشهد كاملاً؛ فلولا وهج ذلك الموقف، ولولا عاطفة النصرة التي تملكته، لما انبثقت تلك الشجاعة أصلًا. فضلاً عن أن إقدامه الشجاع ذاك قد غرس في وجدانه بذرة ثقة جديدة، وجعل سلوكه الشجاع في المرات القادمة خيارًا مكتسبًا لا مجرد تصادف عابر.
فهل كانت الشجاعة سجينةً في أطوائه تنتظر مفتاح الظرف ليطلق سراحها؟ أم أن المحكّ ذاته هو من جبلها وصقلها؟ يغدو ترجيح أحد الاحتمالين بمعزل عن الآخر ضربًا من التبسيط. فالأرجح أن ما نسميه "اكتشاف الذات" هو عملية هجينة تجمع بين الأمرين: تكشف التجربة عن استعدادات فطريّة (إمكانات)، لكنها لا تدعها كما وجدتها؛ بل تنفخ فيها من روح الممارسة والتعلّم، فتسهم في إعادة تشكيلها. نحن لا نتعرّف على أنفسنا من برجٍ عاجي بعيد عن الأحداث، بل ندركها من قلب التجربة، في تلك اللحظة التفاعلية الحية بين الأثر والمؤثّر.
وليس معنى هذا أن الإنسان ريشةٌ في عاصفة تتغير بتموجات كل موقف؛ فثمة سمات جوهرية في الشخصية تتسم بالقوة والاستقرار، كما أن الاستجابة الفردية المفرطة لا تكفي لإطلاق حكم شمولي على كينونة المرء. فقد يظهر الشخص ثباتًا وانضباطًا في أزمة ما، لكنه يتداعى أمام أزمة أخرى، لا لأن إحدى الاستجابتين هي الصدق والأخرى هي الزيف، بل لأن بيئة الظروف تباينت، ولأن النفس البشرية تعجّ بمتناقضات القدرات والمخاوف. ومن هنا، لا يصحّ أن نلغي صورة ذهنية كاملة لنحل محلها صورة جديدة لمجرد موقف عارض ناقضها. فمعرفة الذات ليست رحلة بحث عن صفة قطعية تختزل الإنسان، بل هي فهمٌ عميق لآلية تفاعل ميولنا مع مجريات الواقع، ورصدٌ لما يتكرر في سلوكنا وما يتشكل بتغير خبراتنا.
ويمتد ألق التجربة ليرمي بظلاله على كيفية قراءتنا لماضينا. فكثيرًا ما يعود المرء لأحداث غابرة ليرى معالمها بمنظار مختلف؛ فالفشل الذي كان حسرةً يغدو درسًا ملهمًا، والتنازل الذي خاله طيبةَ قلبٍ يتكشف عن عجزٍ في رسم الحدود، والخسارة التي بكى عليها تتبين كسبًا أخرجه من مسارٍ لم يكن يشبهه. الحدث التاريخي لم يتغير، لكن تأويله هو الذي تحوّل؛ لأن الذات الناظرة إلى الماضي لم تعد هي الذات التي عاشته. وتُسهم أطروحات "بول ريكور" حول "الهوية السردية" في إضاءة هذا المعنى؛ فنحن ننسج هويناتنا عبر صياغة حكاية مترابطة لأحداث حياتنا، فلا تقتصر الهوية على الوقائع المادية المباشرة، بل تشمل الأسلوب التأويلي الذي نمنحه لتلك الوقائع.
على أن إعادة تفسير الماضي لا تعني بالضرورة الوصول إلى الحقيقة المطلقة في كل كرة، ولا يعني التفسير الأحدث أنه الأكثر صدقًا بالضرورة. فقد نقع تحت طائلة "التأويل الذاتي المبرر"، فنقرأ الماضي بعيون خيبة حاضره، أو نلبس الأحداث لبوسًا يُخلي مسؤوليتنا التي نتهرب من مواجهتها. وهنا تبرز الحاجة الماسة للتمييز بين فهم أصيل يتسع باتساع الخبرة، وتأويل موهوم نُخضع فيه التاريخ لرغباتنا النفسية. التجربة تمنحنا رخصة المراجعة، لكنها لا تضمن صوابها؛ ما لم تقترن بالتأمل النبيل، ومقارنة التفسيرات بالوقائع المجردة.
ولا تنمو هذه المعرفة الفردية في معزل عن المجتمع؛ فالآخرون بمثابة مرايا مشهودة؛ قد يلمح فينا أحدهم شرارة قدرة غفلنا عنها، أو ينبهنا إلى نمط سلوكي نكرره بلا وعي. بيد أن رؤية الآخرين
'وإن أضاءت زوايا معتمة'تبقى محكومة بأسقف تجاربهم وانحيازاتهم، فلا يجوز رفعها إلى مرتبة الحقيقة المطلقة، كما لا يجوز زجرها ونفيها لمجرد أنها تصدم صورتنا النمطية عن ذواتنا. إن آراءهم رافدٌ يثري وعينا، لكنها لا تملك سلطة التقرير النهائي لمن نكون.
ختامًا، لا تكمن القيمة الكبرى للتجارب الجديدة في تقديمها إجابات جازمة ومغلقة عن سؤال «من أنا؟»، بل في كشفها عن ضيق الإجابات التي نسجن أنفسنا داخلها، وفتحها آفاقًا لا متناهية للمراجعة والتسامي. لو كانت التجربة مجرد كاشفٍ ميكانيكي، لظلت ذواتنا قوالب صلبة لا تفعل سوى استعراض صفاتها بالتدريج؛ ولو كانت تخلقنا من العدم، لمُحيت أصولنا واستعداداتنا الفطرية من المعادلة. لكن الإنسان في جوهره هو عملية "صيرورة" (Becoming) مستمرة؛ تتشكل عبر تعاشقٍ معقد بين الميول الفطرية، والظروف المعيشة، والخيارات الواعية التي نتخذها استجابةً لها.
فهم الذات إذن ليس وصولاً إلى محطة ختامية، ولا سيلاً من التغير العشوائي، بل هو حوارٌ سرمدي ومراجعة متصلة لما نعتقده عن أنفسنا في ضوء ما نعيشه ونمارسه. قد لا نملك دائمًا فصل الخيط الذي يحدد ما إذا كانت التجربة قد "كشفت" عن الصفة أم "صنعتها"؛ لكن يظل بوسعنا التساؤل دوماً: ما الذي علمنا إياه هذا المحك؟ وهل غدا أثره سلوكًا واعيًا نلتزم به؟ فالحقيقة الأسمى لا تكمن في مضاربة أيهما أسبق وجودًا، بل في استيعاب أن معرفة الذات وتشكيلها مساران متداخلان: نكتشف إمكاناتنا، ثم نسهم 'بوعينا وحريتنا'في صياغة الذات التي نختار أن نكونها.
شمس&وهج&سناء
#شمس #مجتمع #لآلئ_اليوم
@المتابعون

57 مشاهدة