« بين استغرابنا و استغرابهم »
لا أدري ما الذي يجعل الأطفال يقبلون على تناول البيتزا بهذا الشغف؛ أهو ذلك الجبن المتمطط، وهو ينساب بين أطراف القطعة، حين يمتزج بالكيتشوب، فيمنحها طعما لذيذا للغاية، حسب تعبيرهم؟ أم أن في الأمر سرا لا تدركه إلا أذواقهم الصغيرة؟ أراقبهم وهم يمسكون بقطع البيتزا، يتلذذون بكل قضمة، وربما اختلفوا حول آخر قطعة، فأجدني أتساءل: أكل هذا الإعجاب من أجل عجينة وجبن وقليل من الكيتشوب؟
لكن،ألسنا نحن أيضا أبناء أذواق لا تقل غرابة في نظر أطفال اليوم؟ هنا تحضرني أكلة «الكلينتي»، تلك الأكلة المصنوعة من دقيق الحمص، التي تشبه البيتزا في شكلها، لكنها تختلف عنها في مكوناتها وطريقة تقديمها، وربما في كل شيء إلا قدرتها على استمالة محبيها.
أتخيل لو أننا وضعنا أمام أطفال اليوم صينية بيتزا ساخنة، وإلى جانبها صينية كلينتي، ثم تركنا لهم حرية الاختيار؛ ترى، إلى أيهما ستمتد الأيدي أولا؟ أإلى الجبن الذائب الذي تتنافس خيوطه على البقاء متصلة بالقطعة، أم إلى الكلينتي، بسطحه الذهبي ورائحته التي كانت كافية لتوقظ شهيتنا؟ لا شك أن لكل جيل منطقه الخاص في اختيار ما يحب، حتى إن ما نراه نحن عاديا قد يكون عند غيرنا غاية المتعة.
أما نحن، فقد كانت الكلينتي حكاية أخرى؛ نشتري قطعة منها بدرهم أو أقل، وربما فضلنا إعدادها في البيت، فنراقب تحضيرها وكأننا ننتظر وليمة. لم تكن تحتاج إلى جبن مستورد، ولا إلى إضافات كثيرة، ولا إلى اسم أجنبي يلفت الانتباه؛ كان دقيق الحمص وحده كافيا ليصنع لنا فرحة صغيرة، نلتهم معها القطع بشهية لا تقل عن شهية أطفال اليوم وهم يتناولون البيتزا.
والطريف أن كل جيل قد يظن أن اختياراته هي الألذ، وأن ما نشأ عليه يستحق المرتبة الأولى. نحن نستغرب تعلّق الأطفال بالبيتزا، وربما يستغربون هم بدورهم كيف كنا نتحمس لأكلة لا جبن فيها يتمطط، ولا كيتشوب يزيّن أطرافها! وبين استغرابنا واستغرابهم، تتبدل الأطباق وتختلف الأذواق، ويبقى القاسم المشترك واحدا: طفل يجد سعادته في قطعة طعام بسيطة، لا يحتاج معها إلى كثير من التفسير.
@المتابعون
#مجتمع
#عائلة

1 مشاركة56 مشاهدة