المُوَلّهْ
وأنا منذ تلك اللحظة أحببتُه، وقد أبصَرْتُ نبلاً منزوياً هناك في ركن قلبه القصيّ، ثاوياً خلف هذه الصورة الصارمة التي يصدِّرها للناس.
بالصدفة ومن خلال همس المشفقين والشامتين عرفتُ أنه قد تبعها يومها على حين غفلة منها، لم يحاول لفت انتباهها ولم يستطع أن ينبس ببنت شفة، فقط مشى خلفها بلا وعي.
استقلتها، فلم يتردد في أن يحشر نفسه داخلها، تلك الحافلة الذاهبة الى الخرطوم بحري، وهو لا يسكن هناك لكنه يمشي الآن كمجذوب..
جلست في مقعدٍ أماميّ، فاختار هو مكاناً وسطاً بحيث لا تراه ولا تكون بعيدة عنه، كلما التفتت وأحس أنها ستكتشفه، يستجير بأوجه الغرباء ينظر إليهم يبتسم لأحدهم ، يهمس لآخر إلى أن تمرّ التفاتتها على خير..
ثم ماذا بعد؟ ماذا سيحصل؟
أرّقه السؤال وتمنّعت على ذهنه الاجابة، فكر في الهروب، وحين كان قاب قوسين أو أدنى من أن يطلب من سائق الحافلة الوقوف، رآها ترفع يدها، تطلب من (الكمساري) أن يوقف لها الحافلة..
ترجّلت فترجّل خلفها، تعرّجت بها بعض الطرق وهو يتبعها، ولما انكشفت المنطقة عن ميدان فسيح ستعبره للوصول الى بيتها عرف أن عليه أن يتخذ قراراً، إما أن يكلمها الآن أو أن ينسحب بهدوء كما انسحب قبل هذه المرة مرات.
استجمع كل شجاعته، أغمض عينيه، وتوكّل على الله ، ثم ناداها..
لم تفتضح قصته، لكنها لم تسلم من الوصول الى مجالس الهمس، قيل الكثير عنه، سخر منه بعضهم وشمت به آخرون، ضحك عليه بعضهم و رثى لحاله البعض، وقيل أنه لم يكمل شهراً بعد ذلك اليوم حين مضى راجلاً إلى قرية في ضواحي العاصمة فتزوج من هناك.
وهاهو عن يميني الآن يقهقه ويرتشف الشاي بعد مرور عدة أعوام على ذلك اليوم، يتذكره فتلتمع في وجهه ابتسامةٌ، يحاول ويجتهد لكنه يفشل دائماً في أن يجعلها ابتسامةً ساخرة.
ينظر الى صباه من عتبة الأربعين فيفخر بالكثير ويزهو زهواً بذلك اليوم حين أزال عن وجهه أقنعةَ الشدّة والصرامة ومشى خلفها حافياً كالدرويش مجرّداً إلا من قلبه..
داعبتُه قائلاً:
- تقول المجالس أنك قد ثنيتَ رُكبتيك أمامها وتوسّلتَ إليها في ذلك اليوم.
- لكنني لم أشعر بنفسي منذ تلك اللحظة إلا أطولَ و أوسمَ وأخفَّ وأحلى.
قال ذلك ثم سكب كوباً آخراً من الشاي ودخل في قهقهة لا نهائية.. #مجتمع #مجتمع_عام #مجالس_مجتمع

25