استمرْ بالنَّظر للنَّجمة حتَّى تؤمنَ أنَّك تستطيعُ الإمساكَ بِها
كانت يد رافائيل ملوثة دائماً بطين الأرض ، لكنَّ عينيه لم تغادرا السماء قط .
في القرية المنسية عند سفح الجبل ، لم يكن أحد يرفع رأسه إلى الأعلى ؛ فالأرض قاسيةٌ ، والقمح بحاجة إلى عرقٍ ، والظهور المُنحنية لا تملكُ ترفَ الالتفات إلى النجوم ؛ كانوا يسمُّونه "المجنون الذي يطارد الفراغ" .
في كل ليلةٍ ، عندما ينطفئُ صخب البشر وتخلد القرية إلى صمتِها الثقيل ، كانَ رافائيل يجلس على صخرةٍ مدببةٍ ، ويوجه نظره نحو نجمةٍ وحيدة ، لم تكن الأكبر ، ولا الأكثر لمعاناً ، لكنَّها كانت تملك بريقاً عنيداً يشبه وخز الإبر في عتمة الليل .
"إنها بعيدة يا بني ، بعيدة لدرجة أنَّ ضوءَها الذي تراه الآن قد يكون مات قبل آلاف السنين " ، هكذا قال له العجوزُ حكيمُ القرية ذات يوم ، محاولاً إيقاظه من أوهامه .
لكنَّ رافائيل لم يكن يبحث عن مسافة ، بل كانَ يبحثُ عن يقين .
في البداية ، كان النظر إليها مؤلماً ، كانت عيناه تدمعان من التركيزِ ، وتذكره المسافةُ الشاسعةُ بضآلتهِ ، وبتلك القيود الَّتي تكبل قدميه في الطين ، أخبره عقله مراراً أن يطأطئَ رأسَه ، وأن يقبل بحدوده ككائنٍ أرضيٍّ محكومٍ بالجاذبيةِ والفناء ، لكنَّه رفض ، استمر بالنظر .
مع مرور الأسابيعِ ، حدثت المعجزة الصامتة في داخله .
النظر المستمر غيّر المسافات في عقلهِ ؛ لم تعد النجمة نقطة نائية في قبة السماء ، أصبحت مألوفة كخطوط كفه .
في الأيام المظلمة ، كانت هي الثابتَ الوحيدَ ومع كلِّ ليلة يقضيها في تأمُّلها ، كان جدارُ المستحيلِ بينهما يتآكل ببطء .
لم تعد الفكرة مجرد أمنية طفوليةٍ ، بل تحولت إلى إيمانٍ دافئ يسري في عروقه ، سَخِرَ منه أهلُ القرية عندما رأوه يمد يدَه في الهواء ، ويفتح أصابعَه الخشنة ثم يغلقها ببطء ، كأنَّه يزن شيئاً غير مرئي .
"ماذا تفعل؟" سألوه ضاحكين :
أجابهم وعيناه لا تزالان معلَّقتين في السَّماء : " أتعلَّم كيفَ أقبضُ عليها ، المسافةُ خدعةٌ بصريةٌ ، والإمساكُ بالأشياء يبدأ من اقتناعِ اليد بأنَّها قادرة ".
في الليلةِ التي بلغت فيها عاصفةُ الشتاء ذروتَها ، واختفت معالم القرية تحتَ الثُّلوج ، وانطفأت كل الآمالِ ، صعد رافائيل إلى أعلى قمة في الجبل ، كان البرد ينهش جسدَه ، لكنَّ روحَه كانت متقدة ، وقف هناك ، ومد يدَه نحو نجمته العنيدة ،
لم تنزل النجمةُ من سمائها ، ولم يرتفع هو عن الأرض ؛ لكن في تلك اللَّحظة بالذَّات ، تلاشى الخوفُ من قلبه تماماً ، شعر ببرودتِها اللامعةِ تخترق كفه ، وشعرَ بضوئها يتدفق في صدرِه ليضيءَ عتمته الداخليَّةَ إلى الأبد .
لقد أمسك بها حقاً ؛ ليس لأنَّ مسافةَ الفضاء تقلصت ، بل لأنَّ المسافةَ بين روحِه وحلمِه تلاشت .
سقط جسدُه من التَّعب على الثلج ، لكن وجهه ظل مبتسماً ، وقبضة يده كانت مغلقةً بإحكام ..
#كمن_يحملُ_في_كفِّه_سرَّ_الكون ..
-------------------------------------
#فهد
@المتابعون
45