ـــــــــ فجر العزة والخلود .... نوفمبر التحرير ــــــــ
حين أراد القدر أن يكتب للجزائر ميلا جديدا أقبل على صهوة صاعقة. هكذا كانت ليلة الأول من نوفمبر من عام 1954، انفجارا حتميا لقرن وربع من القهر والاضطهاد الاستعماري الفرنسي الذي سعى لطمس الهوية الجزائرية ونهب خيرات البلاد منذ عام 1830. بعد عقود من المقاومة الشعبية الباسلة والمقاومة السياسية التي جابهها المستعمر بالتعنت والمجازر... أدرك جيل جديد من القادة الشباب أن استرداد ما أُخذ بالقوة يتطلب القوة وحدها.. فصاغوا بدمائهم وعزيمتهم أعظم ثورة تحريرية في القرن العشرين.
شهدت الساحة السياسية الجزائرية في أربعينيات القرن الماضي نشاطا مكثفا للحركة الوطنية... وتحديدا ضمن حزب الشعب الجزائري وحركة انتصار الحريات الديمقراطية (MTLD) بقيادة الأب الروحي للحركة الوطنية مصالي الحاج. وفي منعطف مجازر 8 ماي 1945.. تلقت الجزائر صدمة رهيبة راح ضحيتها أزيد من 45 ألف شهيد.. لتكون النقطة الفاصلة التي أسقطت أوهام النضال السياسي السلمي والوعود الفرنسية الكاذبة، وتزرع في نفوس الشباب قناعة راسخة بأن الكفاح المسلح هو السبيل الوحيد للحرية.
تأسست "المنظمة الخاصة" (OS) عام 1947 كجناح عسكري سري لحركة انتصار الحريات الديمقراطية لجمع السلاح، وتدريب المناضلين، والتخطيط للعمل المسلح. ورغم اكتشافها من طرف السلطات الاستعمارية عام 1950 واعتقال العديد من قادتها، نجحت في تكوين النواة الصلبة التي فجرت الثورة لاحقاً. ومع أزمة حركة انتصار الحريات الديمقراطية (1953-1954)، عصفت بالحزب أزمة حادة وانقسام خطير بين "المصاليين" و"المركزيين"، وهو صراع هدد بإنهاء القضية الوطنية، مما دفع مجموعة من الشباب الحياديين من أبناء "المنظمة الخاصة" للتدخل الفوري لإنقاذ المسار الثوري.
برزت مجموعة من القادة الشباب الذين تميزوا بالجرأة، ونكران الذات، والرؤية الاستراتيجية.. حيث أسسوا في 23 مارس 1954 "اللجنة الثورية للوحدة والعمل" (CRUA) لتقريب وجهات النظر والتحضير للثورة. واجتمعت مجموعة الـ 22 التاريخية في جوان 1954 بالمدنية (الجزائر العاصمة) برئاسة مصطفى بن بولعيد.. ليتخذوا القرار التاريخي الحاسم بإعلان الثورة المسلحة فورا. وتولت مجموعة الـ 6 هيكلة البلاد عسكرياً وسياسياً؛ مصطفى بن بولعيد أسد الأوراس في المنطقة الأولى.. وديدوش مراد العقل المدبر للشمال القسنطيني في المنطقة الثانية، وكريم بلقاسم مخطط منطقة القبائل في المنطقة الثالثة، ورابح بيطاط قائد العاصمة وضواحيها في المنطقة الرابعة، والعربي بن مهيدي حكيم الثورة وقائد القطاع الوهراني في المنطقة الخامسة، ومحمد بوضياف المنسق العام للمناطق ومسؤول الربط. إضافة إلى الوفد الخارجي بالقاهرة الذي مثل جبهة الدفاع الخارجي وجلب الدعم والسلاح، وضَمَّ أحمد بن بلة، حسين آيت أحمد، ومحمد خيضر.
في خريف عام 1954، تسارعت الأحداث خلف الكواليس عبر اجتماعات سرية حاسمة. ففي اجتماع 10 أكتوبر 1954 بالمرادية.. وضعت اللمسات الأخيرة وتم الاتفاق على التسمية الرسمية للمولود الجديد، جبهة التحرير الوطني (FLN) كجناح سياسي، وجيش التحرير الوطني (ALN) كجناح عسكري، لإنهاء عهد الأحزاب والصراعات العقيمة. وفي اجتماع 23 أكتوبر 1954 بالرايس حميدو، حُدد تاريخ ليلة الأول من نوفمبر 1954 كموعد لاندلاع الثورة عند منتصف الليل، ليتزامن بدقة مع "عيد جميع القديسين" لدى الفرنسيين حيث تكون الإدارة الاستعمارية في حالة استرخاء، وحُررت هناك وثيقة البيان الخالدة.
وفي تمام الساعة الصفر من ليلة الاثنين 1 نوفمبر 1954، شهدت الجزائر هجوماً متزامناً ومكثفاً استهدف أزيد من 30 نقطة وهزّ أركان الكيان الاستعماري. الأوراس لبى النداء بقيادة مصطفى بن بولعيد للعمليات الكبرى ضد الثكنات والمراكز العسكرية بباتنة وخنشلة ومروانة، معلناً بداية الكفاح من المعقل الحصين. والشمال القسنطيني والعاصمة نفذت فيهما مجموعات ديدوش مراد ورابح بيطاط عمليات نوعية استهدفت مراكز الشرطة، ومستودعات الأسلحة، ومصالح البريد والكهرباء لبث الرعب في صفوف العدو وقطع اتصالاته. ومع صبيحة ذلك اليوم، استيقظ العالم على صوت إذاعة القاهرة وهي تبث بيان أول نوفمبر لتحديد أهداف الثورة في استرجاع السيادة الوطنية، وإقامة دولة جزائرية ديمقراطية اجتماعية ذات سيادة في إطار المبادئ الإسلامية، مع فتح الباب لفرنسا للتفاوض السلمي إذا اعترفت بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره.
لقد كانت تفاصيل ومخاض اندلاع ثورة نوفمبر ملحمة تاريخية فريدة. تحول فيها ثلة من الشباب الأعزل إلا من الإيمان، من حالة الانقسام السياسي والضعف المادي، إلى صناع مجد هزوا عرش رابع قوة عسكرية في العالم آنذاك. إن ليلة الأول من نوفمبر شكلت ميلاداً جديداً للأمة الجزائرية، ودرساً كونياً في التحرر أكد للعالم أجمع أن إرادة الشعوب في الحرية لا تقهرها الجيوش ولا تبيدها السنون.
هشام بلعروي الجزائري
ترانيم الحروف 4890
#مجتمع #أدب #لآلئ_اليوم #مجالس_مجتمع
@المتابعون #ثقافة

44