سؤال القراءة في الجزائر
حين يصبح الكتاب ترفاً والمقروئية أزمة مركّبة
مع حلول خريف كل عام، يشهد قصر المعارض "صافكس" بالصنوبر البحري في العاصمة الجزائرية مشهداً استثنائياً؛ طوابير تمتد لكيلومترات وحشود من مختلف الفئات والأعمار تتدفق نحو أروقة "صالون الجزائر الدولي للكتاب" (سيلا)، للوهلة الأولى يوحي هذا المشهد بوجود مجتمع نهِم للمطالعة وشغف جماهيري جارف بالكتاب والكلمة المطبوعة.
غير أن هذا العرس السنوي ما يلبث أن ينفضّ، لتعود الساحة الثقافية إلى هدوئها المعتاد وتعود معه الأسئلة الحارقة التي تؤرق المهتمين بالشأن الفكري والأدبي في البلاد: هل يعكس ذلك الإقبال مقروئية حقيقية ومستدامة؟، أم أنه مجرد ظاهرة استهلاكية وفلكلور ثقافي سنوي؟ ولماذا تشتكي المكتبات ودور النشر على مدار العام من كساد خانق، بينما يشكو القارئ الجزائري من غلاء فاحش جعل اقتناء الرواية أو المؤلف الفكري عبئاً يقارع ميزانية القوت اليومي؟
إن أزمة المقروئية في الجزائر اليوم ليست مجرد عزوف مزاجي عن الورق، بل هي إفراز معقد لتشابك عوامل اقتصادية قاهرة، وبنية توزيع هشة وتحولات عميقة في العادات الاجتماعية والوسائط الرقمية، لا يمكن مقاربة تراجع المقروئية بمعزل عن البنية الاقتصادية لصناعة الكتاب في الجزائر والتي تعاني من اختلالات هيكلية فادحة ترفع التكلفة النهائية للمنتج الثقافي.
تعتمد المطابع ودور النشر الجزائرية بشكل شبه كلي على استيراد مادة الورق والحبر ومستلزمات الطباعة من الأسواق الدولية ومع الارتفاع الحاد في أسعار الورق عالمياً في السنوات الأخيرة، مقترناً بتراجع القيمة الشرائية للدينار الجزائري وتكاليف الشحن، تضاعفت تكاليف الطباعة بنسب قياسية، وجد الناشر نفسه مجبراً على تحميل هذه الزيادات لسعر الغلاف، لتصل أسعار بعض العناوين المحلية البسيطة إلى ما بين 1000 و2000 دينار جزائري، في حين تتجاوز الكتب الفكرية والأكاديمية المستوردة عتبة الـ 4000 و10000 دينار، وهو رقم يعادل نسبة معتبرة من منحة طالب جامعي أو أجر عامل بسيط.
بسبب المخاوف من الكساد، يلجأ معظم الناشرين إلى خفض عدد النسخ المطبوعة من العنوان الواحد إلى ما بين 500 و1000 نسخة فقط وفي قوانين اقتصاديات النشر، كلما انخفض حجم السحب، ارتفعت الكلفة الثابتة للنسخة الواحدة، مما يحرم السوق من ميزة "وفرة الحجم" التي تجعل الكتب رخيصة ومتاحة للجمهور العريض.
شهد قطاع الكتاب تراجعاً في برامج الدعم المباشر التي كانت تقدمها وزارة الثقافة والفنون وصناديق الترقية الثقافية مقارنة بالعقود السابقة ورغم الإعفاءات الجزئية، ما تزال دور النشر والمكتبات تطالب بتصنيف مستلزمات صناعة الكتاب كـ "مدخلات استراتيجية" معفاة كلياً من الرسوم الجمركية والضرائب لتخفيض السعر النهائي الموجه للمواطن.
حتى وإن امتلك القارئ الرغبة والقدرة المالية، يبرز أمامه عائق لوجستي لا يقل قسوة: أين يجد الكتاب؟، يصف الفاعلون في الساحة الثقافية التوزيع بأنه "المرض المزمن للكتاب الجزائري"، فالمشهد يعاني من تمركز شديد في العاصمة وبعض الحواضر الكبرى (مثل وهران وقسنطينة وعنابة)، بينما تغرق المدن الداخلية وولايات الهضاب والجنوب في شبه "تصحر مكتبي".
وقد أدى ارتفاع تكاليف الإيجار وتراجع العائدات إلى اندثار العديد من المكتبات العريقة في المدن الكبرى وتحول مقراتها إلى أنشطة تجارية أكثر ربحية كالمقاهي ومحلات الألبسة والوجبات السريعة، أما المساحات المتبقية في غالبية البلديات، فقد تحولت تدريجياً إلى "وراقات" تقتصر مبيعاتها على الأدوات المدرسية والدفاتر ولوازم المكاتب، دون أن تخصص ركناً حقيقياً للأدب والفكر والعلوم، هذا الغياب للوسيط الثقافي المحلي حوّل عملية اقتناء كتاب جديد إلى رحلة شاقة تتطلب السفر أو انتظار المعارض السنوية.
ما تزال المناهج التعليمية تتعامل مع النصوص القرائية كأداة لاختبار القواعد والإعراب والاستذكار الآلي تمهيداً للامتحانات ونادراً ما يُشجَّع التلميذ على اعتبار القراءة فعلاً للمتعة الحرة واكتشاف الذات والعالم، وتفتقر غالبية المدارس الابتدائية والمتوسطات إلى مكتبات مدرسية حيوية ومتجددة تجذب شغف الأجيال الناشئة.
رغم وجود شبكة من مكتبات المطالعة العمومية التابعة للقطاع الثقافي، فإن العديد منها يعاني من البيروقراطية وضعف التزويد المنتظم بالإصدارات الحديثة الجاذبة للشباب، فضلاً عن افتقارها للأنشطة التفاعلية ونوادي القراءة التي تحول الفضاء إلى بيئة مجتمعية نابضة بالحياة.
لا يمكن فصل واقع القراءة في الجزائر عن التحول الرقمي العالمي؛ فقد استحوذت الهواتف الذكية وشبكات التواصل الاجتماعي (تيك توك، إنستغرام، فيسبوك) على الفضاء الزمني اليومي للفرد، مكرسة ثقافة "المحتوى السريع والمبسط" على حساب القراءة المتأنية والعميقة.
ومع ذلك تكشف الملاحظة الدقيقة للشارع والجامعات الجزائرية عن حقيقة ملفتة، الجزائريون لم يتوقفوا كلياً عن القراءة، بل غيّروا وسائطهم مدفوعين بالحاجة الاقتصادية، فقد انتعشت مجموعات التلغرام وصفحات تبادل ملفات (PDF) المقرصنة، حيث يقرأ آلاف الطلبة والباحثين كتبهم المفضلة عبر شاشات الحواسيب والهواتف، إن هذه الظاهرة رغم ما تطرحه من إشكالات أخلاقية وقانونية تتعلق بحقوق الملكية الفكرية وتضر بالناشرين، تثبت أن المشكلة الأولى والأساسية تظل "القدرة الشرائية"؛ فالقارئ الجزائري يقرصن الكتاب لأنه يعجز عن شرائه بـ 2000 دينار، لا لأنه يكره الكلمة المكتوبة.
إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب استراتيجية وطنية شاملة تتعامل مع الكتاب بوصفه "ركيزة أمن ثقافي وتنموي" وليس بضاعة كمالية، دعم أسعار الورق ومواد الطباعة وتخفيض الضرائب والرسوم الجمركية عن مدخلات صناعة النشر الوطني، إقرار سياسة تسعير عادلة ومدعومة للكتب المدرسية والجامعية والمراجع الأساسية لتمكين الطلبة من اقتنائها.
إن الكتاب ليس مجرد سلعة تُباع وتُشترى، بل هو الوعاء الحامل للذاكرة الجمعية والرافعة الأساسية لتطور الوعي النقدي في أي مجتمع، وإذا كان غلاء المعيشة قد أثقل كاهل المواطن، فإن إقصاء الكتاب من الأولويات يهدد بإفقار الروح وتسطيح العقل. إن إعادة الاعتبار للكتاب وتيسير وصوله للقارئ البسيط ليست رفاهية تملك الدولة والمجتمع ترف تأجيلها، بل هي معركة حقيقية لبناء الإنسان الجزائري القادر على مجابهة رهانات المستقبل؛ فالشعوب التي تعجز عن القراءة، تعجز حتماً عن صناعة التاريخ.
ويبقى السؤال المطروح: هل أزمتنا اليوم هي عجز المواطن عن شراء الكتاب، أم عجز الفكر عن إثبات جدواه أمام سطوة الاستهلاك اليومي؟.
@المتابعون 🌹
#ميســوم ✍️

32