«لم أكن أفهم»
لم يكن وجهه كثير الكلام، لكنه كان يروي كل شيء من دون أن ينطق. كانت خطواته الثقيلة مساء تقول ما عجزت عنه اللغة، وكانت يداه المتشققتان من تعب السنين تبوحان بما أخفته العيون.
أبي، ذلك الذي لم يكن يكتب الشعر، لكنه عاشه في صمته، ومشى على قوافيه دون أن يدري.
أتذكره جيدا.
يعود من العمل ومعطفه يحمل رائحة البرد وعرق الرجولة . يعلقه في زاوية الباب، ثم يمر بيده على رأسي كمن يطمئن على النبتة الصغيرة التي زرعها ولن يراها تكبر. كان لا يسأل كثيرا، ولا يشتكي. يكتفي بالنظر إلينا نظرة طويلة، ثم يقول بهدوء:
الحمد لله، الخير موجود ما دام القلب راض.
في تلك الأيام، لم أكن أفهم حجم الجميل الذي يصنعه لأجلنا.
كنت أراه فقط رجلا يعود متأخرا، يضحك قليلا، وينام مبكرا.
لم أكن أقدر أنه يقتطع من عمره ليبني لنا عمرا أهدأ.
لم أكن أقدر أنه يخفي وجعه كي لا نخاف، ويعطي بلا منٍّ كي لا نذل.
كبرت، وانكشفت لي خيوط الصورة كما تنكشف الجدائل حين تفك من صبرها.
اكتشفت أن معطفه لم يكن يقيه من البرد، بل كان يدفئنا نحن.
أن صمته لم يكن جفاء، بل حكمة لا تقال.
وأن حضوره كان السقف الذي يمنع علينا تسرب الخوف.
@المتابعون
#مجتمع

73